أين توجد ذاكرة ميناء العقير.. خارطة طريق لإعادة بناء السردية السعودية 2

(MENAFN- Al Watan) * بسام الجيال
باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
[email protected]

من السؤال إلى التطبيق
في المقال الأول من سلسلة ((خارطة طريق لإعادة بناء السردية السعودية))، المنشور في صحيفة الوطن يوم الثلاثاء 25 أغسطس 2026 بعنوان ((إذا لم نجمع ذاكرتنا ونروِ قصتنا... سيرويها الآخرون عنا))، حاولت أن أضع الأساس الفكري لخارطة الطريق: أن السردية السعودية لا يمكن أن تُبنى من دون ذاكرتها، وأن هذه الذاكرة لا توجد في كتاب واحد أو أرشيف واحد، بل تتوزع بين الوثيقة والصورة والخريطة والشهادة والمذكرات والرسائل، وبين مؤسسات الدولة والمجتمع والأسر والأفراد، كما أن جزءًا منها يوجد خارج المملكة. كان السؤال في المقال الأول: لماذا نحتاج إلى جمع هذه الذاكرة؟ أما في هذه المقالة فأريد الانتقال من السؤال إلى التطبيق؛ من الحديث عن ضرورة إعادة بناء السردية إلى البحث عن طريقة عملية للقيام بذلك. ولا أعتقد أن البداية الأفضل هي وضع مشروع ضخم يحاول منذ يومه الأول أن يشمل تاريخ المملكة كله، بل أن نختار حالة سعودية واحدة، محددة وواضحة، ونذهب معها إلى النهاية: نبحث عن وثائقها وصورها وأصواتها وأهلها، ونتتبع ما بقي منها داخل المملكة وما انتقل إلى خارجها، ثم نرى ماذا يمكن أن نتعلم من التجربة. ولهذا اخترت ميناء العقير.
لو أردنا اليوم أن نعيد بناء التاريخ الكامل لميناء العقير، لا بوصفه مجموعة مبانٍ تاريخية لا تزال قائمة على ساحل الأحساء، ولا بوصفه المكان الذي ارتبط بمؤتمر العقير سنة 1922 فقط، بل بوصفه ميناء عاش فيه الناس وعملوا وتاجروا وسافروا، وعبرت من خلاله البضائع والقوافل، واتصلت عبره الأحساء ونجد بالخليج والعالم، فمن أين نبدأ؟ نذهب بالتأكيد إلى العقير والأحساء، لكننا سنكتشف سريعًا أن وجود المكان أمامنا لا يعني أن ذاكرته موجودة كلها فيه. سنحتاج إلى البحث عن سجلات الميناء والجمارك، وخرائطه، وصور السفن والقوارب، ودفاتر التجار، ومراسلات المسؤولين، وأسماء الموظفين والعمال والبحارة وأصحاب القوافل، والطرق التي كانت تنقل البضائع من الساحل إلى الهفوف ومنها إلى داخل الجزيرة العربية. وسنحتاج إلى معرفة ما بقي من هذه المواد في المؤسسات السعودية، وما بقي في بيوت أسر الأحساء، وما انتقل منها إلى أماكن أخرى. ثم ستأخذنا طبيعة الميناء نفسها إلى البحرين والكويت والعراق والهند، وستأخذنا السياسة إلى الوثائق البريطانية وغيرها. عندها سنجد أنفسنا أمام حقيقة شديدة البساطة، لكنها في صميم مشروع إعادة بناء السردية السعودية: نحن نعرف أين كان العقير، لكن هل نعرف أين توجد ذاكرة العقير؟

العقير: حين لا يكفي أن نحفظ المكان
العقير حالة مناسبة جدًا لطرح هذا السؤال؛ لأن المكان يسمح لنا بأن نرى في مساحة واحدة طبقات مختلفة من التاريخ السعودي لا ينبغي فصل بعضها عن بعض. هناك تاريخ البحر والتجارة، وحركة السلع والأشخاص، وصلات الأحساء بالخليج وبشبكات التجارة الأبعد. وهناك تاريخ الطرق البرية التي كانت تبدأ من الساحل وتمتد إلى الداخل، وتاريخ التجار والقوافل والأسواق والجمارك. وهناك تاريخ الدولة والإدارة والمؤسسات التي تعاملت مع الميناء. ثم هناك الطبقة السياسية التي جعلت اسم العقير حاضرًا بقوة في تاريخ المنطقة من خلال مؤتمر 1922 في عهد الملك عبدالعزيز. لكن المشكلة تبدأ عندما تطغى الطبقة السياسية الكبرى على بقية حياة المكان، فيتحول العقير في الذاكرة العامة إلى مبانٍ قديمة ومؤتمر شهير، بينما يتراجع خلفهما تاريخ طويل من البشر والحركة والعمل والتجارة. وإذا كان هدفنا إعادة بناء السردية السعودية، فعلينا ألا نكتفي بالسؤال عما وقع في العقير، بل أن نسأل أيضًا: من عاش هناك؟ من عمل؟ من وصل؟ من غادر؟ ماذا كان يدخل من البحر ويخرج إلى الداخل؟ وكيف كان هذا الميناء جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأحساء وما وراءها؟
تخيلوا يومًا عاديًا في العقير قبل قرن. تصل سفينة، وتُنقل البضائع منها إلى الساحل، وتنتظرها مجموعة من الرجال والدواب، وتمر المواد عبر إجراءات الميناء، ثم تبدأ رحلة أخرى برًا. بالنسبة إلى من عاش ذلك اليوم لم يكن ما يحدث ((تاريخًا))؛ كان عملًا وحياة يومية. التاجر يسجل حساباته، والموظف ينجز معاملته، والعامل يحمل البضاعة، والمسافر ينتظر رحلته، وصاحب القافلة يعرف الطريق ومحطات الماء والوقت الذي يحتاج إليه للوصول. بعد مئة عام، قد يكون المبنى الذي جمع هؤلاء لا يزال قائمًا، لكن أين ذهبت التفاصيل التي جعلته حيًا؟ أين دفتر التاجر؟ أين سجل السفينة؟ أين أسماء العاملين؟ أين الرسائل التي أُرسلت من الميناء أو إليه؟ أين الصورة التي ربما التُقطت لمجموعة منهم؟ وهل بقي لدى أسرة في الأحساء دفتر أو وثيقة أو صورة يظن أصحابها أنها جزء من تاريخ عائلتهم، بينما هي في الحقيقة قطعة من تاريخ العقير ومن تاريخ الاقتصاد والمجتمع السعودي؟ إذا حفظنا المبنى وفقدنا الإنسان الذي عاش فيه، نكون قد حفظنا جزءًا من التاريخ وفقدنا جزءًا آخر لا يقل أهمية

العقير وبناء الاستقلال الاقتصادي
لم تكن هذه الحركة الاقتصادية المحيطة بالعقير مجرد صورة نتخيلها عن ميناء قديم؛ فقد تركت أثرًا واضحًا في الوثائق السياسية والاقتصادية المعاصرة. يكشف تقرير بعثة نجد 1917–1918 أن الملك عبدالعزيز كان ينظر إلى موانئ الأحساء بوصفها المنافذ الطبيعية لتجارة نجد، وأن العقير لم يكن منفذًا محليًا للأحساء وحدها، بل جزءًا من مشروع أوسع لربط داخل البلاد بالخليج. كان الملك، منذ أن أعاد تثبيت حكمه في الرياض واسترد الأحساء سنة 1913، منشغلًا أولًا بتوطيد الحكم وتوسيع سلطته، ثم أصبح تطوير الموانئ ورفع قدرتها على استقبال السفن والبضائع ضرورة اقتصادية ومالية. غير أن اندلاع الحرب العالمية الأولى وتقييد حركة السفن عطّلا هذه الخطط، فاستمرت نجد في الاعتماد على الكويت والبحرين في جانب كبير من وارداتها، رغم امتلاكها منفذًا بحريًا يخضع لسلطة الملك في العقير والقطيف.
تكشف هذه الأبعاد الاقتصادية أن استعادة ذاكرة العقير لا تقتصر على جمع صور الميناء ووثائق مبانيه، بل تتطلب تتبع التجارة والجمارك والسفن والتجار والطرق التي ربطته بنجد والخليج. ومن هنا يمكن الانتقال من تاريخ الميناء نفسه إلى البحث عن دوائر ذاكرته ومصادرها المتفرقة.
وهنا يتحول العقير من موضوع تاريخي إلى حالة تطبيقية لخارطة الطريق. نبدأ بالمكان نفسه، ثم نرسم دوائر ذاكرته. الدائرة الأولى هي ما بقي في المملكة: الوثائق الرسمية، والخرائط، والصور، والصحف، والكتب، والسجلات، والمجموعات الموجودة لدى المؤسسات والباحثين والأفراد. الدائرة الثانية هي الأحساء نفسها، ليس باعتبارها موقعًا جغرافيًا فقط، وإنما مجتمعًا قد تكون أسر كثيرة فيه احتفظت بآثار من علاقة آبائها وأجدادها بالميناء. الدائرة الثالثة هي الخليج، لأن العقير لا يمكن فهمه بمعزل عن حركة التجارة والملاحة التي ربطته بالموانئ المجاورة. ثم تتسع الدائرة إلى العراق والهند وغيرها من الأماكن التي ارتبطت بشبكات التجارة الخليجية. وأخيرًا تأتي الأرشيفات الأجنبية، وفي مقدمتها الوثائق البريطانية المتعلقة بالخليج في تلك المرحلة. وهكذا، من أجل كتابة تاريخ مكان سعودي صغير نسبيًا على ساحل الأحساء، قد نضطر إلى البحث في مدن ودول وأرشيفات ومجموعات عائلية متعددة. وهنا نكتشف القاعدة الأولى في التطبيق: ذاكرة المكان لا توجد بالضرورة في المكان نفسه؛ إنها تتوزع حيث ذهب الإنسان والوثيقة

من العقير إلى لندن... ومن الأرشيف إلى بيت في الأحساء
ويكشف مؤتمر العقير سنة 1922 هذه المسألة بصورة أوضح. الحدث وقع في العقير، وكان الملك عبدالعزيز في قلبه، وارتبط بمرحلة مهمة من تاريخ العلاقات والحدود في المنطقة، لكن جزءًا مهمًا من المادة الوثائقية المرتبطة به موجود في الأرشيف البريطاني بسبب الدور البريطاني في الخليج آنذاك. فهل نستطيع أن نكتب تاريخ المؤتمر من الوثائق البريطانية وحدها؟ بالتأكيد لا. وهل نستطيع أن ندرسه دراسة جادة ونحن نتجاهل تلك الوثائق؟ أيضًا لا. وهنا تظهر قاعدة مهمة في بناء السردية السعودية: المصدر الأجنبي ليس بديلًا عن مصدرنا، وليس خصمًا له؛ إنه شاهد آخر يجب أن يوضع إلى جوار بقية الشهود. نقرأ ما لدينا في المصادر السعودية، ونضع إلى جواره المراسلات البريطانية والخرائط والمذكرات والشهادات والمواد الأخرى، ثم نسأل: من كتب الوثيقة؟ ولمن؟ ولماذا؟ وما الذي كان يعرفه صاحبها؟ وما الذي لم يكن يعرفه؟ عندها لا تصبح مهمتنا اختيار الرواية التي نحبها، بل بناء صورة أوسع من خلال تقاطع المصادر. قوة السردية الوطنية لا تأتي من إبعاد صوت الآخر، وإنما من امتلاك ما يكفي من مصادرنا وذاكرتنا لكي نضع صوته في حجمه وموقعه الصحيحين.
وجود جزء من الذاكرة السعودية خارج المملكة ليس أمرًا غريبًا، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مشكلة في ذاته. المملكة والجزيرة العربية كانتا جزءًا من شبكات سياسية وتجارية ودينية وإنسانية واسعة. الحجاج والتجار والرحالة والدبلوماسيون والعسكريون والأطباء والمصورون عبروا المنطقة وكتبوا عنها، والحكومات والشركات والمؤسسات الأجنبية أنتجت مراسلات وتقارير وخرائط وصورًا تتعلق بها. لذلك من الطبيعي أن نجد اليوم وثيقة عن الأحساء في لندن، أو مادة مرتبطة بالخليج في الهند، أو وثيقة عثمانية في إسطنبول، أو مجموعة صور في جامعة أو مكتبة أوروبية. المشكلة ليست أن هذه المواد موجودة هناك؛ المشكلة أن تكون موجودة ونحن لا نعرف أنها موجودة. ومن هنا ينبغي أن تكون إحدى الخطوات العملية في خارطة الطريق بناء سجل منهجي للمواد المتعلقة بتاريخ المملكة الموجودة خارجها: ماذا يوجد؟ أين يوجد؟ ما الفترة التي يغطيها؟ هل رُقمن؟ وهل يستطيع الباحث السعودي الوصول إليه؟ لا نحتاج إلى نقل كل أصل إلى المملكة؛ نحتاج أولًا إلى معرفة أن الأصل موجود، والحصول على نسخته الرقمية حين يكون ذلك ممكنًا، وربطه ببقية المواد المتعلقة بالموضوع نفسه.
لكن البحث في الخارج قد يكون في بعض الأحيان أسهل من البحث داخل البيوت. الأرشيف البريطاني يخبر الباحث بما لديه من خلال الفهرس، أما الصورة الموجودة منذ ثمانين عامًا في صندوق عائلة في الأحساء فلا يعرف أحد بوجودها خارج تلك الأسرة. وربما تكون هناك صورتان للعقير التُقطتا في اليوم نفسه: الأولى التقطها موظف أو رحالة أجنبي، وكتب عليها المكان والتاريخ، ثم عادت معه إلى بلاده ودخلت بعد سنوات أرشيفًا وفُهرست ورُقمنت وأصبحت متاحة للباحثين. أما الثانية فالتقطها أحد أبناء المنطقة وبقيت في ألبوم عائلي. قد تكون الصورة الثانية أكثر قربًا من المجتمع، وقد يعرف رجل مسن في الأسرة أسماء الواقفين فيها، ومن أي عائلة كانوا، وما المناسبة، وما المبنى الذي يظهر خلفهم. لكن إذا رحل هذا الرجل من دون أن نسأله، ستبقى الصورة وربما تبقى 100 سنة أخرى، بينما تختفي المعلومات التي تمنحها معناها. حين تنفصل الصورة عن قصتها، نفقد جزءًا من الوثيقة حتى لو بقيت الصورة نفسها.
لهذا فإن مشروع العقير، إذا أردنا استخدامه نموذجًا حقيقيًا، يجب أن يذهب إلى المجتمع، لا أن ينتظر المجتمع ليأتي إليه. يمكن دعوة أسر الأحساء التي ارتبط آباؤها وأجدادها بالميناء والتجارة والجمارك والنقل إلى مشاركة ما لديها من صور ورسائل ودفاتر ووثائق. لا يعني ذلك أن تتخلى الأسرة عن مقتنياتها أو ملكيتها؛ يمكن تصوير المادة ورقمنتها وتسجيل معلوماتها ثم إعادتها إلى أصحابها. لكن الأهم ألا نكتفي برقمنة الصورة. نجلس مع من يعرفها ونسأله: من هؤلاء؟ متى التُقطت؟ ماذا كان يفعل جدك في العقير؟ من كان يعمل معه؟ ما البضائع التي كانوا يتعاملون بها؟ كيف كانوا ينتقلون من الهفوف إلى الساحل؟ ماذا كان الأب يروي لأبنائه عن المكان؟ فجأة لن نكون أمام ألبوم عائلي فقط، بل أمام طبقة من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمملكة لم تدخل الوثيقة الرسمية أصلًا.
وهنا يصبح التاريخ الشفهي أكثر استعجالًا من كثير من الوثائق. قد يكون الرجل الذي عمل في العقير قد رحل، لكن ابنه سمع منه عشرات القصص، ويعرف أسماء الأشخاص ومسارات التجارة ومواقع المباني وأحداثًا لم تدخل أي تقرير. الورقة يمكن أن تبقى في الصندوق سنوات أخرى، والمبنى يمكن ترميمه، والصورة يمكن رقمنتها لاحقًا، أما الذاكرة البشرية فلها موعد لا نستطيع تأجيله. نعرض الصورة على الرجل ونسأله عمن فيها، ونعرض الخريطة ونسأله عن الطريق، ونضع الوثيقة بجانب الشهادة. عندها يبدأ الأرشيف الصامت في استعادة

كيف نعيد ذاكرة العقير إلى العقير؟
إذا جمعنا هذه الدوائر كلها، يمكن أن نعيد تصور العقير بطريقة مختلفة تمامًا. لا ينبغي أن ينتهي المشروع بمجموعة ملفات رقمية جديدة في خادم لا يراه أحد. يجب أن تعود ذاكرة العقير إلى العقير. يقف الزائر أمام مبنى الجمارك، فيرى صورة للمبنى نفسه قبل مئة عام، ويعرف من كان يعمل فيه، ويقرأ نموذجًا من وثيقة مرتبطة بعمله. ينظر إلى البحر، فتظهر أمامه خريطة لمسارات السفن والموانئ التي كانت تتصل بالعقير. يرى الطريق القديم باتجاه الهفوف، فيعرف كيف كانت البضائع تُنقل وكم كانت تستغرق الرحلة. يقف في المكان المرتبط بمؤتمر 1922، فلا يقرأ خمسة أسطر مختصرة عن المؤتمر فقط، بل يستطيع أن يرى الخرائط والصور والوثائق السعودية والبريطانية والمراسلات المرتبطة بالحدث. يسمع صوت أحد أبناء المنطقة يروي ما سمعه من والده عن الميناء، ويقرأ صفحة من دفتر تاجر كان يستخدم العقير قبل قرن. عندها لا نكون قد رممنا مباني تاريخية فقط؛ نكون قد أعدنا الإنسان والحركة والصوت إلى المكان.
وهذا هو الفرق بين حماية الموقع التاريخي وإعادة بناء سرديته. الأولى تحفظ الحجر، والثانية تعيد إليه الإنسان. الأولى تمنع المبنى من السقوط، والثانية تخبرنا لماذا كان قائمًا، ومن دخله، وماذا حدث داخله، وما علاقته بالعالم المحيط به. ونحن نحتاج إلى الاثنين. فالعقير يستطيع أن يصبح أكثر من موقع تاريخي يزوره الناس وينظرون إلى مبانيه؛ يمكن أن يصبح مختبرًا حيًا لقراءة مرحلة كاملة من تاريخ المملكة قبل النفط، مرحلة كانت فيها الأحساء مرتبطة بالخليج والهند والعراق وشبكات تجارة واسعة، وكانت القوافل تتحرك بين البحر والداخل، وكانت الدولة تبني مؤسساتها وتدير علاقاتها الإقليمية في عالم مختلف جذريًا عن عالمنا الحالي. وعندما يستطيع الشاب السعودي أن يرى ذلك من خلال الوثيقة والصورة والخريطة وشهادة الإنسان والمكان الذي يقف فيه، فإننا لا نطلب منه أن يحفظ التاريخ؛ نمنحه فرصة أن يراه.
ومن العقير نستطيع أن نستخلص الخطوة العملية الأولى بعد المقدمة الفكرية لخارطة الطريق. لا أعتقد أن البداية الصحيحة هي الإعلان منذ اليوم الأول عن مشروع يريد جمع ((كل الذاكرة السعودية))؛ فالمهمة بهذا الحجم قد تتحول سريعًا إلى عنوان ضخم يصعب تحويله إلى عمل. يمكن أن نبدأ بالعكس: نختار حالات محددة، ونذهب فيها إلى النهاية. العقير نموذج للمكان. نرسم خريطة ذاكرته، نحصر مواده داخل المملكة وخارجها، نبحث في بيوت الأسر، نسجل التاريخ الشفهي، نرقمن الصور والوثائق، نربط كل مادة بمصدرها ومكانها وزمنها، ثم نعيد هذه المعرفة إلى العقير وإلى الباحث والجمهور. وبعد العقير نختار حالة أخرى: مدينة، أو مدرسة، أو مستشفى، أو مؤسسة، أو طريق حج، أو ميناء آخر، أو قطاعًا اقتصاديًا. ومع كل حالة تتسع الخريطة، وتظهر الروابط بين الأماكن والأشخاص والمؤسسات، ونكتشف في الوقت نفسه أين توجد الفجوات التي ما زالت تحتاج إلى البحث.
وبعد عشرات الحالات لن نكون أمام عشرات القصص المنفصلة، بل سنبدأ في رؤية شبكة الذاكرة السعودية نفسها: ميناء يقودنا إلى تاجر، والتاجر إلى أسرة، والأسرة إلى رسائل، والرسائل إلى الهند، والهند إلى سجل سفينة، والسفينة إلى العقير، والعقير إلى طريق بري، والطريق إلى الهفوف ثم إلى نجد. وثيقة سياسية تقودنا إلى مؤتمر، والمؤتمر إلى خريطة، والخريطة إلى أرشيف في لندن، ثم تعود بنا إلى وثيقة سعودية وشهادة محلية. هكذا لا يُبنى التاريخ من خط مستقيم، بل من آلاف الروابط التي كانت موجودة في الحياة نفسها ثم فرقتها السنوات والأرشيفات والحدود. إعادة بناء السردية تعني، في جزء أساسي منها، إعادة وصل هذه الروابط.
بدأنا بسؤال صغير: أين توجد ذاكرة العقير؟ لكن محاولة الإجابة عنه أخذتنا من ساحل الأحساء إلى بيوت الأسر، ومن الهفوف والرياض إلى الخليج والهند وبريطانيا، ومن الحجر إلى الإنسان، ومن صورة قديمة إلى قصة قد تضيع، ومن مؤتمر سياسي إلى حياة يومية كاملة كانت تجري حوله. وربما لم تضِع ذاكرة العقير كما نتصور؛ ربما هي موجودة فعلًا، لكنها متفرقة. جزء منها في مؤسسة، وجزء في أرشيف أجنبي، وجزء في ألبوم عائلة، وجزء آخر ما يزال في ذاكرة إنسان ينتظر من يسأله.
ولهذا لا أرى أن الخطوة التالية في إعادة بناء السردية السعودية هي أن نجلس ونكتب رواية جديدة لتاريخنا. قبل الكتابة هناك عمل أكثر صعوبة وأهمية: أن نعيد جمع ما تفرق من الذاكرة، ثم نضع المصادر المختلفة أمام بعضها، ونسمح للتاريخ بأن يظهر من بينها. وإذا استطعنا أن نفعل ذلك مع العقير، يمكن أن نفعله مع مئات الأماكن والمؤسسات والتجارب السعودية. وعندها لن تكون ((خارطة الطريق)) عنوانًا فكريًا فقط؛ ستكون منهج عمل يبدأ من حالة محددة، ويختبر نفسه عليها، ثم ينتقل إلى الحالة

فلنبدأ بالعقير. لا لأن العقير وحده يستطيع أن يروي تاريخ المملكة، بل لأنه يستطيع أن يعلّمنا كيف نبحث عن هذا التاريخ: في المكان، وفي الوثيقة، وفي الصورة، وفي الأرشيف البعيد، وفي البيت القريب، وقبل كل ذلك في ذاكرة الإنسان. وإذا استطعنا أن نعيد إلى ميناء واحد ذاكرته المتفرقة، فربما نكون قد وضعنا أول نموذج عملي في خارطة الطريق لإعادة بناء السردية السعودية.

MENAFN31082026000089011017ID1111602643

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث