جغرافيا النار تتسع... من قلب كييف إلى قلق أوروبا
وفي موازاة ذلك تكثفت حرب المسيّرات بين الجانبين، وامتدت تداعياتها إلى قطاع الطاقة الروسي، حيث دفعت اضطرابات الوقود موسكو إلى تمديد حظر صادرات الديزل. وفي جبهة أكثر حساسية، حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من المخاطر التي تواجه محطة زابوريجيا النووية مع استمرار مشكلات إمدادات الكهرباء والاعتماد على مولدات الطوارئ.
ومع تصاعد العمليات العسكرية تتزايد المخاوف الأوروبية من انتقال التوتر إلى نطاق أوسع، خصوصاً بعد تحذيرات بولندا من احتمال وقوع استفزازات روسية ضد دول في حلف الناتو، في وقت تستمر فيه التحركات والاتصالات الأمريكية الروسية وسط تعثر جهود إنهاء الحرب. وتعكس هذه التطورات مجتمعة مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع ضغوط الطاقة والمخاطر النووية وحسابات الأمن الأوروبي.
شهدت منطقة كييف تصعيداً دامياً جديداً بعدما استهدفت طائرة مسيّرة روسية منشأة في بلدة ميلا عند الأطراف الغربية للعاصمة الأوكرانية، ما أدى إلى اندلاع حريق هائل أعقبته سلسلة من الانفجارات المتتالية داخل الموقع. ومع استمرار عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض، ارتفعت حصيلة الضحايا تدريجياً من 27 قتيلاً في التقديرات الأولية إلى 37 قتيلاً، وفق ما أعلنته السلطات الأوكرانية.
وقال رئيس الإدارة العسكرية في كييف، تيمور تكاتشينكو، إن عدد القتلى في منطقة بوتشا ارتفع إلى 37 شخصاً، مشيراً إلى استمرار عمل فرق الإنقاذ والجهات المعنية في موقع الكارثة.
وبحسب مكتب المدعي العام الأوكراني، بدأت الحادثة عند الساعة 20:10 من مساء 28 أغسطس بالتوقيت المحلي، عندما سقطت أو أصابت طائرة مسيّرة أراضي المنشأة في ميلا. وأدى ذلك إلى اندلاع حريق واسع، قبل أن تبدأ الانفجارات بالتتابع داخل الموقع، الأمر الذي ضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية.
ولم تقتصر التداعيات على المنشأة المستهدفة، إذ أكد الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن المناطق السكنية المحيطة تعرضت لأضرار، إضافة إلى دار لرعاية المسنين وذوي الإعاقة، ما وضع موقع المستودع وطبيعة المواد المخزنة فيه في صلب الجدل الداخلي الأوكراني.
زيلينسكي يكشف محتويات المستودع... ذخائر وألغام وطائرات مسيّرةبعد ساعات من الغموض بشأن طبيعة المنشأة، كشف زيلينسكي أن الموقع المستهدف لم يكن مستودعاً عادياً، بل منشأة تابعة لقوات الدفاع الأوكرانية كانت تحتوي على ذخائر ومتفجرات وطائرات مسيّرة.
وأوضح أن الضربة أدت إلى انفجار قذائف وألغام وذخائر أخرى، إلى جانب طائرات مسيّرة كانت مخزنة في الموقع. والأهم أن الرئيس الأوكراني أقر بأن هذه المواد ((كان ينبغي ألّا تكون موجودة)) في ذلك المكان، في إشارة إلى خطورة تخزين كميات كبيرة من المواد العسكرية بالقرب من المناطق المأهولة.
أما موسكو فقدمت روايتها الخاصة لطبيعة الهدف. وقالت وزارة الدفاع الروسية إنها استهدفت مستودعاً في قرية ميلا يضم مكونات ومعززات إطلاق للطائرات المسيّرة الأوكرانية بعيدة المدى.
وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة في فهم حجم الكارثة، إذ تشير الانفجارات الثانوية المتتالية إلى أن الضربة الأولى لم تكن وحدها المسؤولة عن مستوى الدمار، بل إن المواد المتفجرة والذخائر المخزنة داخل المنشأة أسهمت في توسيع نطاق الحريق والانفجارات والأضرار التي أصابت المناطق المحيطة.
من الهجوم الروسي إلى المساءلة الداخلية... تحقيق بشبهة الإهمال الجنائيتحولت كارثة ميلا سريعاً من قضية تتعلق بالهجوم الروسي إلى ملف مساءلة داخل أوكرانيا، بعدما أعلن مكتب المدعي العام فتح تحقيق بشبهة الإهمال، مع التركيز على مدى قانونية تخزين المواد والمقذوفات المتفجرة داخل المنشأة.
ويبحث التحقيق فيما إذا كانت الجهة المسؤولة عن الموقع تمتلك التصاريح والموافقات المطلوبة، وما إذا كانت قواعد السلامة الخاصة بتخزين الذخائر والمواد المتفجرة قد طُبقت، خصوصاً في ظل قرب الموقع من المناطق السكنية.
زيلينسكي بدوره طالب بمحاسبة المسؤولين عن القرارات التي سمحت بتخزين الذخائر في هذا الموقع، مؤكداً أنه لا يمكن تخزين مثل هذه المواد بالقرب من المنازل أو التجمعات السكنية. ويعني ذلك أن السلطات الأوكرانية تتعامل مع الحادثة على مستويين متوازيين: الأول يتعلق بالهجوم الروسي نفسه، والثاني يتعلق بما إذا كانت إجراءات داخلية خاطئة قد أسهمت في مضاعفة عدد الضحايا وحجم الأضرار.
ويزداد الملف حساسية لأن أوكرانيا شهدت حادثة سابقة مشابهة. فقد أشار رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي إلى الهجوم الذي استهدف مستودعاً للذخيرة في فيشنيف خلال يوليو، موضحاً أن التحقيقات في تلك الواقعة كشفت عن إخفاقات جسيمة من جانب شركة مملوكة للدولة لم تلتزم بالمعايير رغم قرب المنشأة من المناطق السكنية.
واعتبر كوريتسكي أن تكرار الأخطاء نفسها بعد سنوات من الحرب يمثل إهمالاً جنائياً، مطالباً بفرض عقوبات صارمة على جميع المسؤولين لمنع تكرار مثل هذه الكوارث.
الهجوم على ميلا جزء من موجة روسية شملت 267 طائرة مسيّرةلم تأتِ الضربة التي استهدفت المستودع قرب كييف بصورة منفصلة، بل كانت جزءاً من موجة هجمات روسية واسعة شهدتها أوكرانيا بين مساء الجمعة وصباح السبت.
وأعلن سلاح الجو الأوكراني أن روسيا أطلقت خلال تلك الفترة ما لا يقل عن صاروخين و267 طائرة مسيّرة باتجاه الأراضي الأوكرانية، في مؤشر على استمرار الاعتماد المكثف على الهجمات بعيدة المدى لاستهداف المواقع العسكرية واللوجستية والبنية التحتية.
وامتدت الخسائر البشرية إلى مناطق أخرى، إذ أسفرت هجمات روسية فجر السبت، وفق مسؤولين محليين، عن مقتل شخص في أوديسا جنوب أوكرانيا، بينما قتلت فتاة تبلغ 14 عاماً في ضاحية بوريسبيل بمنطقة كييف.
وفي المقابل، قالت وزارة الدفاع الروسية إن عملياتها لم تقتصر على مستودع ميلا، بل شملت أيضاً ميناءي ميكولايف وإزمائيل ومراكز لوجستية ومرافق قالت إنها تستخدم لتخزين صواريخ كروز الأوكرانية ((فلامينجو)) في منطقة كييف.
الضربات الأوكرانية تنتقل إلى العمق الروسي وتضغط على قطاع الطاقةفي الوقت الذي كثفت فيه موسكو هجماتها داخل أوكرانيا، استمرت كييف في تنفيذ ضربات داخل الأراضي الروسية والمناطق التي تسيطر عليها روسيا.
وأعلنت السلطات الروسية مقتل ثلاثة أشخاص في هجمات أوكرانية استهدفت منطقة بيلغورود، فيما تسبب أحد الهجمات في اندلاع حريق داخل مستودع تابع لشركة ((أوزون)) للتجارة الإلكترونية.
كما أعلنت السلطات التي عينتها موسكو مقتل شخص جراء ضربة استهدفت مدينة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم.
لكن التداعيات الأكثر أهمية للهجمات الأوكرانية داخل روسيا تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة، إذ أصبحت منشآت الطاقة والمصافي الروسية ضمن أبرز الأهداف، وهو ما بدأ ينعكس على سوق الوقود المحلية وعلى قرارات موسكو المتعلقة بالتصدير.
وأدت الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة الأوكرانية إلى تعطيل عدد من المصافي، في وقت تواجه فيه السوق الروسية نقصاً في الوقود، ما أضاف بعداً اقتصادياً واستراتيجياً إلى حرب المسيّرات المتبادلة.
موسكو تمدد حظر تصدير الديزل مع استمرار نقص الوقودوسط الضغوط التي تواجه قطاع الطاقة، أعلنت الحكومة الروسية تمديد الحظر المفروض على صادرات الديزل حتى 30 سبتمبر، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تحقيق الاستقرار في سوق الوقود المحلية.
ويشمل القرار أيضاً صادرات الوقود البحري وزيوت الغاز التي يشحنها المنتجون الروس، في وقت كانت فيه صادرات الديزل قد تباطأت بالفعل نتيجة نقص الإمدادات المحلية المرتبط جزئياً بتعطل مصافٍ تعرضت لهجمات أوكرانية.
وكانت روسيا قد فرضت الحظر في الفترة من 8 إلى 31 يوليو ضمن مجموعة إجراءات لدعم السوق المحلية، ثم مددته للمنتجين حتى نهاية أغسطس، قبل الإعلان عن التمديد الجديد حتى نهاية سبتمبر.
كما فرضت موسكو قيوداً أطول أمداً على صادرات بعض أنواع الوقود، بما في ذلك الديزل من غير المنتجين وبنزين السيارات حتى 31 يناير 2027، إضافة إلى وقود الطائرات حتى نهاية نوفمبر الثاني 2026.
وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز السوق الروسية، نظراً إلى أن روسيا تعد عادة ثاني أكبر مصدر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة. ولذلك، فإن استمرار الضربات على المصافي وتعطل الإنتاج أو فرض قيود على التصدير يكشف كيف تحولت الحرب تدريجياً إلى مواجهة تستهدف القدرة الاقتصادية واللوجستية للطرف الآخر، وليس المواقع العسكرية وحدها.
من أزمة الوقود إلى الخطر النووي... زابوريجيا تواجه وضعاً حساساًبالتزامن مع اضطرابات قطاع الوقود الروسي، برز تحذير أكثر خطورة يتعلق بمحطة زابوريجيا للطاقة النووية، وهي أكبر محطة نووية في أوروبا وتخضع للسيطرة الروسية منذ مرحلة مبكرة من الحرب.
وحذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن إمدادات الطاقة للمحطة أصبحت معرضة للخطر بشدة، بعدما ظلت المنشأة بدون طاقة خارجية لأكثر من أسبوع واضطرت إلى الاعتماد على مولدات الديزل لتشغيل الأنظمة الضرورية.
وقال المدير العام للوكالة، رافائيل جروسي، إن الوضع يوضح مجدداً أهمية وجود مصدر موثوق للطاقة الخارجية وطرق آمنة لإيصال الإمدادات اللازمة لضمان السلامة والأمن النوويين.
وكانت إمدادات الديزل تكفي بصورة مؤقتة لنحو عشرة أيام فقط قبل وصول عشرات الأطنان من الوقود إلى الموقع خلال الأسبوع. إلا أن جروسي حذر من أنه، من دون استعادة الطاقة الخارجية أو وصول كميات إضافية من الديزل في المستقبل القريب، يمكن أن تواجه المحطة انقطاعاً للكهرباء خلال فترة تقارب عشرة أيام.
وتعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التوصل إلى وقف محلي لإطلاق النار يسمح بإجراء إصلاحات على خط رئيسي للطاقة. وفي حال نجاح تلك الأعمال، يمكن إعادة إمداد المحطة بالكهرباء الخارجية وتقليل اعتمادها على مولدات الطوارئ.
وتضم زابوريجيا ستة مفاعلات، ما يجعل أي اضطراب مستمر في أنظمة الطاقة والأمان داخلها قضية تتجاوز طرفي الحرب لتصبح مصدر قلق دولي، خصوصاً بعد تعرض المنطقة المحيطة بالمحطة لهجمات وحوادث متكررة منذ اندلاع الحرب.
المخاوف تتجاوز أوكرانيا... بولندا تحذر من استفزاز محتمل للناتوفي ظل هذا التصعيد العسكري والاقتصادي، انتقلت المخاوف مرة أخرى إلى مستوى الأمن الأوروبي الأوسع، بعدما حذر رئيس الوزراء البولندي، دونالد توسك، من احتمال تصعيد روسيا للحرب وقيامها باستفزازات ضد إحدى الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
وجاء موقف توسك عقب محادثة مع الأمين العام للناتو، مارك روته، إذ أكد أن التصعيد الروسي يتزايد، معتبراً أن الأشهر الستة المقبلة ستكون حاسمة، وأن احتمال وقوع استفزازات ضد دولة عضو في الحلف لا ينبغي استبعاده.
وتحمل تصريحات توسك ثقلاً خاصاً بالنظر إلى موقع بولندا الجغرافي ودورها في دعم أوكرانيا. فمنذ بداية الحرب، أصبحت وارسو واحدة من أبرز الداعمين السياسيين والعسكريين لكييف، كما رفعت إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة نتيجة شعورها بتهديد مباشر من روسيا.
الحرب تنتقل من الجبهات إلى الطاقة والاقتصاد والأمن الأوروبيتكشف تطورات 29 أغسطس 2026 أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد قابلة للقراءة فقط من خلال حركة القوات على خطوط الجبهة. فضربة المستودع قرب كييف توضح كيف يمكن لهجوم واحد أن يتحول إلى كارثة بشرية ثم إلى أزمة سياسية وتحقيق داخلي بشأن المسؤولية والإهمال.
وفي الوقت نفسه تكشف الهجمات الأوكرانية على المصافي والمنشآت الروسية أن كييف تسعى إلى نقل جزء من تكلفة الحرب إلى العمق الروسي من خلال استهداف البنية التحتية التي تدعم الاقتصاد والعمليات العسكرية. ويُظهر تمديد حظر صادرات الديزل أن تأثير هذه المواجهة لم يعد محصوراً في الميدان، بل وصل إلى سياسات الطاقة والسوق المحلية الروسية.
أما محطة زابوريجيا، فتمثل مستوى مختلفاً من المخاطر، لأن استمرار الحرب حول منشأة نووية بهذا الحجم يجعل أمن الطاقة والسلامة النووية جزءاً مباشراً من الصراع. وفي هذه الحالة، قد لا تكون الضربة المباشرة وحدها مصدر الخطر؛ ففقدان مصادر الطاقة الخارجية واستمرار الاعتماد على مولدات الطوارئ يضعان المنشأة في وضع حساس يحتاج إلى إمدادات وصيانة مستمرة.
وفوق كل ذلك تأتي تحذيرات بولندا لتضيف بعداً أوروبياً إلى المشهد. فمع استمرار الضربات الروسية والأوكرانية بعيدة المدى، واتساع نطاق الأهداف، وتزايد المخاوف بشأن البنية التحتية والطاقة، يصبح السؤال الأكثر حساسية هو مدى قدرة الطرفين والقوى الدولية على إبقاء الحرب ضمن حدودها الحالية.
وبذلك، ترسم التطورات المتزامنة صورة لصراع يتحرك على عدة مستويات في الوقت نفسه: روسيا تضرب القدرات العسكرية واللوجستية الأوكرانية، وأوكرانيا تضغط على العمق الروسي ومنشآت الطاقة، وزابوريجيا تبقى نقطة خطر نووي، فيما يراقب الناتو احتمالات اتساع دائرة المواجهة، وتحاول واشنطن إبقاء باب الاتصال مع موسكو مفتوحاً.
ومن هنا فإن كارثة المستودع قرب كييف لا تبدو حدثاً منفرداً، بل جزءاً من مرحلة أشمل تتداخل فيها حرب المسيّرات مع حرب الطاقة والضغط الاقتصادي والمخاطر النووية والحسابات الأمنية الأوروبية، في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية بعيدة، بينما ترتفع تكلفة استمرار الحرب على جميع الأطراف.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment