هل يسقط الاقتصاديون في فخ "المال والبيانات"؟

(MENAFN- Al-Bayan) سوميا كينز

ينساق الاقتصاديون غالباً وراء الموضة والتوجهات السائدة، ففي العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين، كان التوجه المستحسن بينهم هو التركيز على الشركات الرقمية الناشئة والعمل معها.

ومع حلول عام 2020، تحول حماسهم ونشاطهم نحو أبحاث جائحة ((كوفيد19)) باندفاع يماثل شغف مستخدمي ((إنستجرام)) بتعلم خبز العجين في منازلهم، أما اليوم،.

فقد أصبحت تغطية قضايا الذكاء الاصطناعي والعمل داخل مختبراته التوجه الأكثر استقطاباً. ورغم أن بعض المخاطر الناجمة عن ذلك تحمل أصداء من الماضي، إلا أن المشهد هذه المرة يبدو مختلفاً كلياً.

ويكمن أحد أوجه الاختلاف في الاتساع الهائل لنطاق الأسئلة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. فهناك فارق شاسع بين معالجة الاختلالات في أسواق سيارات الأجرة أو الفنادق، وبين استكشاف تقنية تمتلك القدرة على إعادة تشكيل المجتمع من جذوره.

ورغم أن الثورة الرقمية في العقدين الماضيين جذبت ألمع الباحثين وأثارت تساؤلات جديدة. إلا أن ثورة الذكاء الاصطناعي أكبر وأشمل بكثير، ما تسبب، على حد تعبير بين جولوب، الأكاديمي والريادي في الذكاء الاصطناعي، ((قوة جلب واستقطاب لكفاءات ذات نطاق مختلف تماماً)).

وبينما يمثل الذكاء الاصطناعي للاقتصاديين أداة للتحليل وموضوعاً للدراسة في الوقت نفسه، برز توجه لافت يتمثل في التعاون بين نخبة الاقتصاديين وشركات الذكاء الاصطناعي، أو العمل لديها مباشرة. ويشير جولوب إلى أن العام الحالي شهد ((تحولاً مفاجئاً في نظرة النخبة الأكاديمية)).

إذ أصبحت مختبرات الذكاء الاصطناعي توصف بأنها ((بيئات فكرية ذات قيمة استثنائية بالغة)). وما يعزز هذا التوجه هو امتلاك هذه المختبرات معلومات تفصيلية تقيس أنماط استخدام الذكاء الاصطناعي، وهي بيانات حاسمة لتقدير آثاره الاقتصادية.

وقد يميل البعض بنظرة متشككة إلى إرجاع هذا السباق المحموم من قبل الشركات الناشئة لتوظيف الاقتصاديين إلى كونه مجرد خدعة علاقات عامة مدروسة.

فالتحليلات الموثوقة التي يقدمها خبراء رفيعو المستوى لبيانات خاصة وحصرية غالباً ما تحظى باهتمام إعلامي أكبر بكثير من البيانات الصحفية الدعائية.

وفي هذا السياق، ذكر أرا خارازيان، كبير الاقتصاديين في شركة ((رامب))، أنه بعد نشره تحليلاً حول إنفاق الشركات على أدوات الذكاء الاصطناعي، أنهالت عليه طلبات الاستشارة من شركات ناشئة تسعى لتأسيس فرق اقتصادية خاصة بها.

إلا أن مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تبدو ذات طموحات أوسع نطاقاً، تهدف لإدخال أدلة علمية موثقة في النقاشات التي تدور حول تقنياتها.

وإدراكاً منها للإمكانات الهائلة والتغييرات الجذرية التي يحملها الذكاء الاصطناعي، أوكلت شركات مثل ((جوجل)) و((أنثروبيك)) و((أوبن إيه آي)) إلى باحثيها مهمة توجيه وتغذية النقاش العام حول تأثير التكنولوجيا على أسواق العمل.

والتفاوت الاقتصادي العالمي، والاقتصاد الكلي، بل إن أحد الباحثين في ((جوجل)) قدم لي هذه الأجندة البحثية باعتبارها جزءاً من المسؤولية المجتمعية للشركات.

لكن الخطر البارز هنا هو أن هذا التعاون الوثيق قد يؤدي إلى تحريف اتجاه الأبحاث الاقتصادية وتوجيهها. فما الذي يدعو مختبرات الذكاء الاصطناعي للنشر عن أبحاث تظهر أن منتجاتها تجعل العمل أقل قيمة أو أكثر إرهاقاً؟

وهل ستتحمس لدعم باحثين يحذرون من أن الذكاء الاصطناعي يقلل من الاستثمار في المهارات بقدر حماسها نفسه لدعم المتفائلين بتأثيره على ريادة الأعمال؟

لقد كان خطر ((الاحتواء الفكري)) حافلاً بالتحديات خلال الطفرة التكنولوجية السابقة، حين احتكرت الشركات الوصول إلى كنز بياناتها الضخم وكان لها مصالح خاصة في كيفية توجيهه.

وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن الأوراق البحثية الأوروبية التي اعتمدت على بيانات المنصات ركزت بدرجة غير متكافئة على آثار التكنولوجيا على المستهلكين، بدلاً من التركيز على حقوق العمال مثلاً.

وعند استطلاع آراء بعض الاقتصاديين المشاركين في هذه الموجة التكنولوجية الجديدة، لمست تفاؤلاً حذراً بإمكانية السيطرة على تضارب المصالح وإدارته.

ورغم أن هذه المختبرات قد استقطبت بالأساس اقتصاديين يرى معظمهم في الذكاء الاصطناعي حدثاً فاصلاً، إلا أن أولئك الباحثين أنفسهم يختلفون حول كيفية تطور مساراته المستقبلية.

وقد أشار أحدهم إلى أن داريو أمودي، المدير التنفيذي لشركة ((أنثروبيك))، لم يقطع مطلقاً وعوداً وردية بحتمية جلب الذكاء الاصطناعي للرخاء والازدهار المطلق.

وداخل أروقة هذه المختبرات، ينصب تفكير الاقتصاديين على كيفية حماية مصداقيتهم. ففي وقت سابق من هذا العام، نشر الفريق الاقتصادي لشركة ((أنثروبيك)) إطاراً منهجياً لقياس معدلات اضطراب سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي.

وأوضح كبير الاقتصاديين بيتر ماكروري أن إلزام أنفسهم بأسلوب علمي ومحدد مسبقاً يمنع إمكانية إخفاء أو حجب النتائج السلبية.

كما تبدو المختبرات أكثر حرصاً على مشاركة البيانات مع العموم مقارنة بسابقاتها من شركات التكنولوجيا، وإن كان ذلك بدرجة لا تلغي الميزة التنافسية الحصرية للشركات نفسها.

أما بالنسبة لتعاون الشركات، فلا يزال من غير الواضح مدى التعقيد الذي ستتسم به إجراءات الموافقة على نشر الأبحاث.

ويرى أحد الباحثين أن المنح التمويلية المتاحة من مؤسسات مثل ((أوبن إيه آي)) ليست ضخمة بالقدر الذي يدفع كبار الأكاديميين لتعديل النتائج أو حجبها.

فالاقتصاديون يحرصون على حماية سمعتهم العلمية، خصوصاً أن العديد ممن يعملون مع تلك المختبرات هم في واقع الأمر معارون مؤقتاً من مناصبهم الأكاديمية بالجامعات.

ومع تزايد ردود الفعل الشعبية والتخوفات المناهضة للذكاء الاصطناعي، ستشتد الضغوط على المختبرات لتوجيه السردية الإعلامية وصياغتها لصالح تقنياتها.

وفي الحالات التي تبلغ فيها هذه الضغوط ذروتها، سيكتسب وجود باحثين مستقلين يقفون على مسافة آمنة من هذه المختبرات أهمية حيوية قصوى. ففي نهاية المطاف، ثمة فارق جوهري حاسم بين هذه الطفرة التكنولوجية وسابقتها: ((إن الرهانات هذه المرة أعلى بكثير)).

    كوفيد19 الذكاء الاصطناعي أسواق سيارات الاقتصاديون إنستجرام

MENAFN28082026000110011019ID1111593692

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث