فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة

(MENAFN- Swissinfo) في فيلم "أرض محايدة"، يسلّط ستيفان غول ومهدي عثماني، الضوء على إحدى ركائز المجتمع السويسري، من خلال فيلم وثائقي كوميدي على طراز أفلام الطريق. يتساءل الفيلم عن حياد البلاد الذي تتباهى به، في وقت يستعدّ فيه الناخبون والناخبات للنظر في إمكانية ترسيخه في الدستور. تم نشر هذا المحتوى على 27 مايو 2026 - 12:35 12دقائق Hugo Emmerzael
    English en Comedic documentary dissects Swiss neutrality الأصلي طالع المزيدComedic documentary dissects Swiss neutr Deutsch de Zwei Filmemacher auf der Suche nach der Schweizer Neutralität طالع المزيدZwei Filmemacher auf der Suche nach der Schweizer Neutral Français fr Un documentaire caustique dissèque la neutralité suisse avant un vote décisif طالع المزيدUn documentaire caustique dissèque la neutralité suisse avant un vote dé

في بلد رولكس وباتيك فيليب، تدقّ الساعة معلنةً أنّ إحدى الأساطير المؤسِّسة للهوية السويسرية باتت على المحكّ. فبعد رفضِ البرلمان مبادرة دفعت بها جمعية“برو شفايتس” (Pro Schweiz) اليمينية، مدعومة من حزب الشعب السويسري اليميني، من أجل“حياد دائم ومسلّح”. الآن، سيترك الأمر للمواطنين والمواطنات لتحديد شكل الحياد الواجب أن يبدو عليه من الناحية السياسية الملموسة.

وبينما تستعدّ البلاد لتصويت في الخريف المقبل، قد يعيد تعريف ركيزة أساسية في السياسة الخارجية السويسرية، يتيح النقاش المحتدم فرصة مناسبة لدراسة فضيلة طالما افتخرت بها سويسرا. فببساطة، حان الوقت لطرح سؤال مؤلم؛ ماذا يعني الحياد السويسري وسط الاضطرابات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين؟

ويجمع هذا الفيلم الوثائقي“أرض محايدة” (En Terrain Neutre)، المتميّز بأسلوبه الساخر والتحليلي السياسي، صوتيْن سويسرييْن متميزيْن، ويقدم تشخيصًا بارعًا لأزمة الوعي التي تمر بها بلادهما. فيلم“أرض محايدة”، فيلم طريق يشارك فيه المخرج الوثائقي المخضرم، ستيفان غول، مع مهدي عثماني، الحائز على لقب أفضل صحفي سويسري لعام 2020، لتصوير وطنهما عند منعطف تاريخي.

وبعد العرض العالمي الأول لعملهما المشترك في مهرجان“فيزيون دو رييل” (Visions du Réel) للأفلام الوثائقية في مدينة نيون، في أبريل، يقول غول:“نحن نحاول تعريف شيء لا يمكن تعريفه”. ويضيف عثماني، الذي يخوض تجربته الإخراجية الأولى:“بالنسبة إلينا، كانت فرصة للتعمّق في نفسية سويسرا أكثر”.

محتويات خارجية هويات سويسرية عبر الثقافات والأجيال

رغم انتماء عثماني، الصحفي السويسري من أصل جزائري، المولود في لوزان عام 1984، وغول، المولود عامَ 1965، إلى أجيال وخلفيات مختلفة، يقول عثماني إنهما يشتركان في دافع رئيسي:“الرغبة في التساؤل عن الهوية السويسرية. إجراء تحليل نفسي للبلاد، والذهاب إلى جذور ما يجعلنا سويسريين أو لا”.

عبر سويسرا وخارجها، قاد هذا الفضول المشترك الثنائي إلى مدينة نيويورك، والمنطقة منزوعة السلاح في كوريا (DMZ)، حيث التقطا مشاهد عبثية قصيرة تكشف مجتمعًا يخضع لتحوّل كبير على مضضٍ.

ويصوّر فيلم“أرض محايدة” جنودًا شبابًا يتصارعون مع فكرة الخدمة العسكرية، ومعارض تجارية يجني فيها مصنّعو الأسلحة السويسريون الأرباح من كوكب مزّقته الحروب. والأبرز من ذلك، يصوّر صاحب فندق يسعى لبيع فندقه الفاخر الذي يضمّ منتجعًا صحيًا، والمقام داخل أحد المخابئ تحت الأرض، التي بنتها سويسرا في جبال الألب خلال الحرب الباردة.

وبتهكّمٍ، يُشير المالك إلى اشتراء مشترين أوكرانيين مشروعَه التجاري المتعثّر، المعروض للبيع بسعر متواضع قدره 8 ملايين فرنك سويسري (10،1 مليون دولار أمريكي). وهو ما يحوّل المشهد الساخر إلى استعارة غريبة لانهيار سياسة الانعزال السويسرية.

ما بعد أوكرانيا

ويشير هذا المشهد إلى غاية الفيلم الوثائقيّ الأساسية، إذ تعرّض مفهوم الحياد السويسري لضغوط بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022.

ويوضح غول قائلًا:“لقد كانت نقطة بداية زخم معيّن في تاريخنا، ويتعلّق كلّ ذلك بحيادنا المفترض”، مضيفًا مجيء هذا في وقتٍ أصبحت فيه سويسرا عضوًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة، وترأّسته مرتين.

ويشير قائلًا:“في الوقت نفسه، نرى هذه المبادرة المتطرّفة التي أطلقتها“برو شفايتس”، والمطروحة للتصويت رؤية قومية متشدِّدة، ومقيدة للحياد للغاية. رأينا كل هذا يحدث وفكّرنا في أنفسنا؛ الآن هو الوقت المناسب للتعامل مع موضوع الحياد الغامض، والمبهم”.

وللتأكيد على أسطوريّة تصوّر الحياد السويسري، يقدم“أرض محايدة” درسًا تاريخيًا لا يخلو من الجرأة. ويسلّط الفيلم الضوء على الهزيمة الحاسمة للاتحاد السويسري القديم على أيدي القوات الفرنسية بقيادة فرانسوا الأول خلال معركة مارينيانو (1515). إذ دفعت هذه المعركة بالكيان السابق للدولة القومية السويسرية إلى الانسحاب من ساحات المعارك الأوروبية إلى الأبد.

وعلى مدار خمسة قرون، حوّلت الأمّة السويسرية الحديثة ما كان في يوم من الأيام إذلالًا عسكريًا إلى فضيلة دبلوماسية، ما دفع غول إلى القول:“حيادنا امتياز، وليس موهبة خاصّة”.

ويتابع:“الحقيقة البسيطة، أنّ الفرنسيين ألحقوا بنا هزيمة نكراء، ففعلنا كل شيء لتجنيب أنفسنا الدخول في صراعات أخرى. والآن، يجب انتهاء هذا الزمن. فأعتقد أننا مسؤولون عن بقية العالم أيضًا. وقد نبدو كبلد صغير غير مهمّ، لكن لدينا قوّة بسبب رؤوس أموالنا. يجب أن يوجّه هذا حيادنا من الامتياز نحو المسؤولية”.

كيف تصوّر مفهوما مجرّدا؟

في ما يتعلّق بمسؤولياتهما الصحفية، قرّر غول وعثماني تجنب الجدل الصريح. وقدّما بدله تشخيصهما النقدي بأسلوب ساخر، وهو تعبير حقيقي عن شخصيتيهما المفعمتين بالحياة.

ويقول عثماني، مُحدِث ضجّة في وقت سابق بتقاريره النقدية عن جهاز المخابرات والتجسّس السويسري:“يتعامل عملي الصحفي مع أمور جادّة، لكنّني لست شخصًا جادًا إلى هذا الحد. فأنا من محبي أسلوب الصحافة الاستقصائية غير التقليدية، من خلال الغوص بسذاجة في موضوع جديد وإشراك الآخرين والأخريات في الرحلة”.

وقد اتفق كلٌّ من المخرج والصحفي، على استحالة مهمّة تصوير الحياد، لأنه مفهوم وهمي بطبيعته وبالتالي غير مرئي للعين المجرّدة.

ويضيف:“لذلك، ما أعجبني بشكل خاص في صنع فيلم“أرض محايدة”، هو التقاط الطاقة التي يبذلها الدبلوماسيون والدبلوماسيات، والسياسيون والسياسيات، والجنود والجنديّات، ورجال الأعمال ونساؤها، في سرد قصة الحياد وإعادة سردها باستمرار”.

“ماذا يدور في أذهان هؤلاء الناس؟ هل يرون الأسس العبثية لتعلقهم بهذا البناء السياسي؟ وهل يعتقدون أنّ هذه الرواية لا تزال صالحة اليوم؟ بالنسبة إليّ، المدهش فعلًا هو هذه الطاقة التي يبذلها الكثير من الناس في سرد هذه القصة، التي تبدو أكثر أهمية من الحياد الفعلي نفسه”.

سياسة الكوميديا

وقد تكون الحيادية شعارًا لليمين المتطرّف السويسري، لكنها تحظى بدعم طيف سياسي واسع، من اليمين إلى اليسار، بما فيه المعسكر المحافظ بأكمله تقريبًا. ولا عجب من سرعة إدراك غول وعثماني، لإثارتهما مشكلة حساسة في وعي سويسرا السياسي (اللاواعي).

وبشأن كيفية اختيارهما للقيام بذلك، كان غول واضحًا، فقال:“يمكنن السخرية من السلطة إذا صوّرتها”.

وبصدق وتواضع منقطعي النظير، حوّل الثنائي في النهاية فيلم“أرض محايدة” إلى قطعة مبهجة من السخرية الذاتية الساخرة بسعادة من بلد صغير غريب، ربما يأخذ نفسه على محمل الجدّ أكثر من اللّازم.

ويقول غول، الذي يريد السخرية من فكرة الاستثنائية السويسرية:“السخرية الذاتية شيء نفتقر إليه في سويسرا. فنسخر من أنفسنا بسعادة أيضًا في الفيلم، حتى أنّ شكله مناهض للسينما عن وعي. فمرحه وسهولة الوصول إليه، كلّها إيماءات تجاه الجمهور. وفي النهاية، نريد دعوة المشاهدين، والمشاهدات، السويسريين إلى الكفّ عن أخذ أنفسهم على محمل الجدّ والنظر ببساطة إلى هذا الموضوع الكبير بطريقة أخف”.

وبعد عروض المهرجانات في“فيزيون دو رييل”، وإصدار مسرحي في سويسرا الناطقة بالفرنسية، وعرض سينمائي قادم في الكانتونات الناطقة بالألمانية، رأى عثماني وغول بالفعل كيف يحقّق“مولودهما الجديد” تأثيره في الجمهور كما خُطّط له.

ويقول عثماني:“أنا سعيد برؤية كلّ جيل، بغض النظر عن الموقف السياسي، مدفوع الآن إلى التفكير في علاقته الخاصّة بالحياد، والتساؤل مرة أخرى عما يعنيه كَونُك سويسريًا”.

بالنسبة إلى الصحفي المتحوِّل إلى مخرج، أصبح فيلم الطريق هذا أيضًا وسيلة لإعادة فحص علاقته المعقّدة ببلد وُلد فيه، بينما تكمن جذور أسلافه في الجزائر. ويعترف قائلًا:“كان الأمر أشبه بالخضوع لعلاج نفسي. لا تزال لديّ أسئلة عديدة حول هويتي السويسرية، ولكن على المستوى الشخصي، وضعتني هذه التجربة المذهلة في بداية رحلة جديدة”.

وسيستمرّ جزء من تلك الرحلة مع معاونه الموثوق به. ويعمل عثماني بالفعل على تطوير فيلمه الوثائقي التالي، المشاركة في إخراجه دلفين شنيدريغ، وينتجه غول. وفي غضون ذلك، يأمل الثنائي في إثارة فيلم“أرض محايدة” نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا، تشتدّ الحاجة إليه في بلد فضّل أن يظلّ منغلقًا على نفسه دائمًا.

استعنّا في ترجمة هذا المقال بأدوات الذكاء الاصطناعي، دون الإخلال بمبادئ العمل الصحفي.

تحرير: فيرجيني مانجين وإدواردو سيمانتوب

مراجعة وتدقيق: عبد الحفيظ العبدلّي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

MENAFN27052026000210011054ID1111174085

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث