صناعة المنتجات الفاخرة.. الحاجة لاتخاذ القرارات الصعبة
في ظل انشغال العالم بمشكلات الوقود أو فقدان الوظائف لصالح الذكاء الاصطناعي، سيقل التعاطف بطبيعة الحال مع متاعب صناعة المنتجات الفاخرة، هذا أمر مفهوم. لكن حتى من يعتبرون هذه المنتجات تافهة، عليهم أن يدركوا أن هذه الصناعة ليست كذلك. فالمنتجات الفاخرة مجال تتفوق فيه أوروبا، التي هي بأمسّ الحاجة إلى ريادة صناعية في بعض المجالات.
لقد حققت أكبر أربع شركات في هذا القطاع، وهي: ((إل في إم إتش))، و((ريشمونت)) و((هيرميس)) و((كيرينغ)) مبيعات تجاوزت 130 مليار دولار العام الماضي، ووظّفت نحو 320 ألف شخص، لكن نمو هذه الصناعة، الذي كان يتجاوز 20 % قبل ثلاث أو أربع سنوات، أصبح الآن شبه معدوم. والتفسير السهل هو أن هذا الأمر دوري. فبعد الجائحة، انطلقت المدخرات المكبوتة والطلب المتزايد، مما أدى إلى نمو غير مسبوق لم يكن ليدوم. وبالفعل فقد عانى القطاع خلال السنوات القليلة الماضية من آثار هذا النمو. ومع ذلك، فالأمور ليست بهذا السوء، حيث لا تزال أقوى العلامات التجارية مثل هيرميس وأكثر القطاعات مرونة مثل المجوهرات تشهد نمواً حقيقياً.
عموماً، فقد كشفت فقاعة الجائحة وما تلاها عن قطاع يتسم بتناقضات داخلية - توترات استراتيجية كان لابد لها أن تتسبب بأزمة هوية عاجلاً أم آجلاً. وإذا لم تُحل هذه التوترات، فستمنع عودة القطاع إلى النمو المستدام.
ويتمثل التوتر الأول في فكرة أن السوق الرئيسية لنمو قطاع السلع الفاخرة قد تكون دولة شيوعية. فقد أدى الجمع بين سيطرة الدولة وحرية السوق في الصين إلى إثراء شريحة معينة من سكان البلاد. لكن هذا النظام لم يُصمم أبدًا لدعم الاستهلاك، خاصة استهلاك النخبة، بل كان ذلك أثراً جانبياً غير مرغوب فيه إلى حد كبير. وستظل سياسات فئة صغيرة من الناس تُنفق ببذخ على الحلي المصنوعة في الخارج، في بلد تقوم أيديولوجيته الحقيقية على القومية، مشكلة قائمة، مع ميل مشتري السلع الفاخرة الصينيين في الغالب إلى العلامات التجارية المحلية.
عنصر التوتر التالي يكمن في فكرة أن السعر هو نفسه القيمة، وفي الوقت نفسه هو ليس كذلك. ففي عامي 2021 و2022، كانت هناك أحيان كان فيه شخص ما، في مكانٍ ما، مستعداً لدفع أي ثمن تقريباً مقابل بعض السلع الفاخرة. ولذلك، قامت معظم الشركات في هذا القطاع بفرض أسعار تُعظّم إيراداتها الفصلية. وهذه استراتيجية صحيحة في قطاع السلع الأساسية، حيث يُحدد السوق القيمة. أما في قطاع السلع الفاخرة، مع هوامش ربح إجمالية تصل إلى 70 % ومنتجات فريدة، فإن السعر جزءٌ من السردية، وليس مجرد نقطة التقاء العرض والطلب، فالسعر هو الذي يُحدد القيمة ويحافظ عليها على المدى الطويل.
والاستقرار والعدالة هما أيضاً جزء لا يتجزأ من هذه السردية، لذا لا يُمكن لشركات السلع الفاخرة أن تخلط بين القيمة والسعر الذي سيدفعه المستهلك. إنها تواجه عملية تمتد لسنوات لإعادة بناء هيكل أسعارها ببطء ودقة (مع العلم بأن التخفيضات الكبيرة أكثر تدميراً من الزيادات المفرطة).
ويُصوّر الكثيرون في هذا القطاع هذه المشكلة المعروفة على نطاق واسع على أنها خسارة للعملاء ((الطموحين)) - الأثرياء لكن ليسوا فاحشي الثراء. وهذا صحيح إلى حدٍ ما. تُقدّر شركة باين الاستشارية أن القطاع خسر ثُمن عملائه - أي 50 مليون عميل - بين عامي 2022 و2024، نتيجة تركيزه على أصحاب الثروات الطائلة.
ويقودنا هذا إلى التوتر الأخير والأهم: فكرة الرفاهية الطموحة بحد ذاتها. وإذا أطلقنا عليها ((الحصرية الجماهيرية))، سيتضح التناقض جلياً، حيث تسعى العديد من المجموعات الكبرى إلى الوجود على جانبي الخط الفاصل، دون إدارة التوازن بعناية كافية. الحصرية ليست مجرد بيع سلع لا يقدر على شرائها إلا القليل، بل هي أيضاً الاهتمام بتوقيت وكيفية عرض هذه السلع، وما يُباع بجانبها. كما أن الطموح لا يعني دفع ثمن باهظ لسلعة تافهة من علامة تجارية مرموقة. وهذا هو حال القميص الذي يبلغ سعره 850 دولاراً، لكنه لا يمثل طموحاً ناجحاً ولا حصرياً بشكل مقنع. ويتطلب حل هذه التناقضات تفكيراً عميقاً في هيكلية هذه الصناعة. فهل تُعدّ الشركات العملاقة المدرجة في البورصة المكان الأمثل للعلامات التجارية الفاخرة؟ ويشير الانتعاش الأخير لعلامة شانيل الخاصة إلى أنها قد لا تكون كذلك. كذلك، ما هو العدد الأمثل للمتاجر؟ تشير عمليات الإغلاق الأخيرة إلى أن العديد من الشركات قد قررت أن هذا العدد الأمثل يجب أن يكون أقل بكثير من العدد الحالي. كذلك، هل يُمكن أن يكون هناك حد أقصى للظهور على وسائل التواصل الاجتماعي؟ إن المنتج الذي يُمكن لأحد المؤثرين استئجاره أو استعارته والظهور بجانبه على إنستغرام يُفقد بريقه بسرعة. والأهم من ذلك، ربما تُفكّر هذه الصناعة في العميل الطموح ليس كمصدر دخل إضافي مربح، بل كشريحة قيّمة لها احتياجاتها الخاصة. تُقدّم شركات مثل تابستري ورالف لورين نموذجًا يُحتذى به في هذا المجال.
إن صناعة المنتجات الفاخرة عريقة، وستبقى؛ ولكن لكي تزدهر، سيتعين عليها اتخاذ قرارات صعبة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment