حرب الشرق الأوسط تهدد مستقبل الرحلات الجوية الرخيصة حول العالم
على مدى عقود، ومع انخفاض التكاليف النسبية بشكل مطرد، تحول السفر الجوي إلى أمر شائع تماماً، لدرجة أن معظم الأسر في الغرب تتوقع الآن القيام برحلة جوية واحدة على الأقل سنوياً. وتتباهى شركة رايان إير للطيران منخفض التكلفة في أوروبا الآن بإمكانية السفر عبر القارة بتكلفة أقل من تكلفة ركن سيارتك في أحد المطارات الإقليمية التي تخدمها.
لكن مع استمرار تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، ألغت شركات الطيران آلاف الرحلات، بسبب استخدام وقود أغلى ثمناً بكثير. وفي مطلع هذا الشهر، أعلنت شركة سبيريت إيرلاينز في الولايات المتحدة إفلاسها، لتكون أولى الشركات ضمن موجة متوقعة من حالات الإفلاس حول العالم.
وقال كارستن سبور، الرئيس التنفيذي لشركة لوفتهانزا، هذا الشهر: ((ستتوسع التغييرات الهيكلية التي نشهدها. فالشركات الأقوى ستزداد قوة، والأخرى الأضعف ستزداد ضعفاً)).
ويتفق توني فرنانديز، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة طيران آسيا، وهي شركة طيران منخفضة التكلفة مقرها ماليزيا، مع هذا الرأي، حيث صرح لصحيفة فاينانشال تايمز: ((لديّ شعور بأننا قد نشهد المزيد من عمليات الاندماج حتى بين شركات الطيران الكبرى)).
ويُعدّ تقليص حجم قطاع الطيران، المعروف بهوامش ربحه المنخفضة ومعاركه الشرسة على الأسعار، حدثاً شبه دوري. ففي معظم السنوات، تتوقف عشرات شركات الطيران الصغيرة عن العمل في حالات إفلاس تمر مرور الكرام، ولا يلاحظها عادةً إلا الركاب أو الموظفون المتضررون بشكل مباشر. لكن كل بضع سنوات، تجتاح أزمةٌ القطاعَ ككرة هدم ضخمة، مُحدثةً تحولاً جذرياً في السفر.
ويقول أندرو لوبنبرغ، محلل شؤون الطيران في باركليز: ((يواجه قطاع الطيران العديد من المشاكل بشكل دوري. لقد شهدنا أزماتٍ كثيرة - أحداث 11 سبتمبر، وجائحة كوفيد 19. وهذه هي الجائحة التالية)). ويتوقع حالات إفلاس، وعمليات اندماج، وإخراج الطائرات القديمة من الخدمة بوتيرة أسرع.
وسيُضعف ذلك قوى المنافسة التي تُبقي أسعار التذاكر في متناول الجميع، مما يزيد من احتمالية أن يكون عصر السفر الجوي الرخيص قد شارف على الانتهاء. ويقول أندرو تشارلتون، رئيس شركة الاستشارات ((أفييشن أدفوكاسي)): ((لم يكن السفر الجوي منخفض التكلفة سوى فترة عابرة. ومن المؤكد أن عصر الرحلات الجوية التي تبلغ تكلفتها 20 جنيهاً إسترلينياً يقترب من نهايته)).
كانت جائحة كوفيد 19 آخر أزمة كبرى اجتاحت قطاع الطيران العالمي، حين خلت الأجواء من الطائرات. تلقت العديد من شركات الطيران مساعدات حكومية وسرحت موظفين. لكن تلت ذلك فترة مما يمكن أن يُسمى بـ((السفر الانتقامي))، حيث أنفق الناس مدخراتهم خلال فترة الإغلاق، ليحل محلها وضع جديد تميز بزيادة الإنفاق على تذاكر الطيران، لا سيما في الدرجة السياحية المميزة ودرجة رجال الأعمال. والآن، دفعت حرب إيران القطاع إلى أحدث موجة من الاضطرابات، مع إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية وتداعيات امتدت إلى جميع أنحاء العالم. وبالنسبة لمعظم شركات الطيران العالمية، لم يكن نطاق القتال هو الأثر الأكبر للصراع، بل بالأحرى تضاعف سعر وقود الطائرات عالمياً. إذ يمر نحو 40% من الكيروسين المتجه لأوروبا عبر مضيق هرمز، وهو الممر المائي الرئيسي الذي أُغلق منذ بدء الصراع.
وحتى بعد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، سيستغرق الأمر أسابيع، وربما شهوراً، لإزالة الألغام من المنطقة، ووقتاً أطول لعودة تدفق الوقود بالكامل لتعويض النقص الحاصل في الإمدادات العالمية.
ومع بدء نفاد وقود الطائرات في بعض المناطق، تلجأ شركات الطيران إلى حلول لوجستية مبتكرة لإبقاء طائراتها في الجو. فقد قامت لوفتهانزا بتحويل مسار بعض رحلاتها المتجهة إلى كيب تاون عبر ناميبيا للتزود بالوقود، بينما قامت شركة طيران آسيا الماليزية بنقل وقود يكفي لرحلتين إلى فيتنام لتمكين طائراتها من العودة دون الحاجة للتزود بالوقود على الأرض.
وقد حذرت كل شركة طيران أعلنت عن أرباحها منذ بدء النزاع من أن ارتفاع التكاليف سيقلص أرباحها. بل يتساءل الكثيرون في القطاع الآن عن الشركة التالية التي قد تُعلن إفلاسها بعد شركة سبيريت.
وارتفع عدد ((مراكز البيع على المكشوف)) - وهي استراتيجية استثمارية للاستفادة من انخفاض سعر السهم - في شركة الطيران الهنغارية منخفضة التكلفة ويز إير إلى ما يقرب من سدس إجمالي أسهمها. وأعرب المستثمرون لسنوات عن مخاوفهم من أن شركة ويز إير لديها عدد كبير جداً من الطائرات قيد الطلب، بما في ذلك بعض الطائرات طويلة المدى التي لا تحتاجها بعد انسحابها من محاولة فاشلة لدخول سوق الشرق الأوسط. كذلك، فهي تتنافس في شريحة شديدة التنافسية من حيث الأسعار، مما يضعها في مواجهة رايان إير، شركة الطيران الأيرلندية فائقة الكفاءة التي يجعل تركيزها الشديد على خفض التكاليف منها واحدة من أقوى المنافسين في هذا القطاع.
في الولايات المتحدة، تتزايد المخاوف أيضاً بشأن شركتي ((جيت بلو)) و((فرونتير)) وهما من المنافسين الأمريكيين لشركة سبيريت التي توقفت عن العمل. وبينما رفعت شركات الطيران الأمريكية منخفض التكلفة تكاليفها بشراء طائرات جديدة في السنوات الأخيرة، خفضت شركات الطيران الأربع الكبرى - يونايتد، وأمريكان، ودلتا، وساوث ويست - أسعارها وقدمت بعض المقاعد الأساسية، مما أثر بشكل مباشر على سوق الطيران منخفض التكلفة.
من جانبه، يقول فرنانديز من شركة طيران آسيا: ((من مميزات آسيا أن الطلب فيها لا يزال ينمو، بينما الطلب في أمريكا وأوروبا ربما بلغ ذروته، ولذلك يتنافس الجميع على حصة أصغر من السوق)). وشهد قطاع الطيران الأوروبي بالفعل عدداً من الاندماجات على مدى عقود، حيث أفلست العديد من الشركات الصغيرة أو اندمجت في إحدى الشركات الثلاث العملاقة: الخطوط الجوية الفرنسية-كيه إل إم، ولوفتهانزا، ومجموعة الخطوط الجوية الدولية المالكة للخطوط الجوية البريطانية. وانسحبت المجموعة، التي تضم أيضاً شركات إيبيريا وإير لينغوس وفولينغ، من محاولة الاستحواذ على حصة في شركة ((تاب)) البرتغالية هذا العام. لكن المجموعة، التي تتمتع بسيولة نقدية وفيرة وميزانية قوية تعد من بين الأقوى في القطاع، وتبقى منفتحة على عمليات الاستحواذ.
وخلال الأزمات السابقة، انتهز مسؤولو شركات الطيران الفرصة لإجراء تغييرات جذرية، ولا يختلف الأمر هذه المرة. ومن بين الأهداف الأولى المحتملة الطائرات القديمة التي تستهلك وقوداً أكثر تكلفة. وكما شهدت الجائحة إخراج شركات الطيران للطائرات القديمة من الخدمة - مثل أسطول الخطوط الجوية البريطانية بالكامل من بوينغ 747، أول طائرة جامبو - يتوقع المحللون أن تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تسريع إخراج الطرازات الأقل كفاءة من الخدمة.
وقد أعلنت لوفتهانزا بالفعل أنها ستُخرج طائراتها القديمة من طراز 747-400 وبعض طائراتها القديمة من طراز إيرباص A340 من الخدمة قبل الموعد المحدد. وتدرس الخطوط الجوية الفرنسية- كيه إل إم إخراج طائراتها من طراز A330-200 من الخدمة تدريجياً العام المقبل، قبل الموعد المحدد أصلاً. ويبقى السؤال الأهم حول مصير أسطول طائرات A380 في العالم التي تستهلك وقوداً أكثر من طائرتين من طراز A350، ثاني أكبر طرازات إيرباص، مجتمعتين، وفقاً لمسؤولين تنفيذيين قاموا بمحاكاة تشغيل كلا الطرازين.
وتبقى العديد من الشركات في منطقة الخليج، أكبر مستخدم لهذه الطائرة في العالم، ملتزمة بها بشدة، وقد طلبت مراراً من إيرباص تصنيع بديل مماثل في الحجم. كذلك، أكدت الخطوط الجوية البريطانية، التي تنفق الملايين على تجديد أجنحة الدرجة الأولى في طائراتها ذات الطابقين، أنها لا تزال تشكل جزءاً أساسياً من أسطولها. أما بالنسبة للخطوط الجوية القطرية، فهي ترسل عدداً من طائرات A380 إلى مطار إسباني يُستخدم كموقف طائرات طويل الأمد. ويتوقع أحد المسؤولين التنفيذيين في القطاع أنه: ((من المرجح ألا تعود هذه الطائرات)).
وحتى مع الطائرات الأحدث، يواجه قطاع الطيران مليارات الدولارات من التكاليف الإضافية الناتجة عن فواتير الوقود. وتعتمد شركات الطيران الأوروبية بشكل كبير على التحوط، باستخدام العقود الآجلة لتثبيت الأسعار والحد من تقلباتها. لكنها لا تزال مضطرة لشراء بعض الوقود من السوق المفتوحة، وعليها الآن تحديد الوقت المناسب لبدء استخدام عقود التحوط الآجلة بأسعار أعلى.
تخلت العديد من شركات الطيران الأمريكية الكبرى عن التحوط قبل عقد من الزمن، بعد تكبدها خسائر فادحة في المراهنة ضد أسواق النفط. وقد جعلها هذا عرضة تماماً لارتفاع الأسعار، رغم أن الولايات المتحدة تستورد كميات أقل من الكيروسين من الخليج مقارنة بأوروبا أو آسيا.
وهكذا، يبرز تساؤل مهم حول ما إذا كانت الأزمة ستعيد رسم خريطة العالم. في الأوقات العادية، يمر ثلث حركة النقل الجوي بين أوروبا وآسيا عبر مراكز العبور في الخليج، خاصة دبي. وخلال السنوات الأخيرة، أعلنت مطارات المنطقة عن خطط توسعية من شأنها أن تُضيف إليها نمواً يُعادل حجم مطار هيثرو عدة مرات خلال العقد القادم.
وبمجرد استئناف خدمات الترانزيت، يتوقع الجميع في قطاع الطيران أن تُخفّض الناقلات الخليجية أسعارها لإقناع المسافرين بالعودة. وسيضع هذا بقية شركات الطيران في مأزق. فإما أن تُقدّم تخفيضات مماثلة، ما سيؤثر سلباً على أرباحها المُثقلة أصلاً بارتفاع التكاليف، أو أن ترفض تقديم أي خصومات، ما سيدفع المسافرين إلى اللجوء للناقلات الخليجية.
وقال تيم كلارك، رئيس طيران الإمارات، في مؤتمر للطيران عُقد في ألمانيا الشهر الماضي: ((لقد أثمرت جاذبية دبي ودولة الإمارات عموماً نموذجاً اقتصادياً تشغيلياً يحسده الجميع في مختلف أنحاء العالم)). بمجرد انتهاء هذه الأزمة، لن تحتاج طيران الإمارات إلى الكثير لتستعيد عافيتها.
وهكذا، فإن الجميع ليسوا قلقين. ففي نهاية المطاف، يُعدّ التعامل مع تقلبات سوق النفط العالمي جزءاً لا يتجزأ من إدارة أي شركة طيران. ويقول ستيف ساكسون من شركة ماكينزي إن الأسعار ليست مرتفعة بشكل غير مسبوق. فحتى مع ارتفاع الأسعار الحالي، فإن تكاليف الوقود أقل بالقيمة الحقيقية مما كانت عليه في ذروة عام 2008، ومماثلة لمستويات عامي 2011 ـ 2012. ويضيف أن شركات الطيران التي لا تستخدم التحوّط ضد مخاطر تقلبات أسعار النفط تتضرر أكثر عند ارتفاع التكاليف.
عموماً، يتفق الجميع على أنه كلما طال أمد الصراع، ازداد وضع قطاع الطيران سوءاً. ويرسم بعض المحللين بالفعل صورة قاتمة لقطاع يندفع نحو دوامة هبوطية. وإذا استمرت التكاليف في الارتفاع، سيصبح عدد متزايد من الخطوط غير مجدٍ اقتصادياً. وسيتم تقليص الخدمات، مما سيرفع التكاليف الثابتة لشركات الطيران، ويجبرها على رفع الأسعار أكثر للتعويض، وهو ما سيؤدي إلى عزوف المسافرين في النهاية.
إن حرباً أطول أمداً، تشهد فيها الأسر معاناةً في مواجهة ارتفاع أسعار النفط والغذاء، سيكون لها بالضرورة تأثير غير مباشر على الإنفاق على السفر. ولا يبشر هذا بمستقبل جيد للسفر منخفض التكلفة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment