أهمية البيانات والإحصاءات الرسمية.. لا نعرف قيمة ما نملك حتى نفقده
ما قيمة الإحصاءات الرسمية عالية الجودة والموثوقة، خاصة بالنظر إلى كثرة الأمور التي تقيسها الهيئات الإحصائية؟ لقد تضمّن تقرير للأمم المتحدة بعنوان ((تعزيز وقياس قيمة الإحصاءات الرسمية))، نُشر عام 2018، العديد من الأفكار الجيدة حول فوائد الإحصاءات، والتي أكدت أنها تبني الثقة في الحكومة، وتحسّن عملية صنع القرار، وتعزز المساواة، و((تساعدنا على فهم من نحن، وما كنا عليه، وما أصبحنا عليه)).
في المقابل، هناك من يرى أن الإحصاءات الرسمية ربما تكون قليلة القيمة.. كان هذا رأياً راديكالياً للسير جون كوبرثويت، الذي شغل منصب وزير المالية في هونغ كونغ طوال ستينيات القرن الماضي، حين كانت مستعمرة بريطانية سريعة النمو، تتبنى سياسة عدم التدخل. واعتقد كوبرثويت أن قيمة الإحصاءات الرسمية ليست ضئيلة فحسب، بل سلبية أيضاً.
في سياقه، كان موقف كوبرثويت مفهوماً: فقلما كانت هناك اقتصادات أكثر عرضة للتدخل غير المدروس من هونغ كونغ. ومع ذلك، هناك نقطتا ضعف على الأقل في حجته: الأولى هي الأمل في أن يكبح الجهل نزعات الحكومات التدخلية، بينما قد يؤدي ببساطة إلى تفاقمها. أما الثانية فهي الفرضية غير المدروسة بأن الحكومة وحدها هي من قد تجد الإحصاءات الرسمية مفيدة.
وقد قال تقرير صادر عن الأكاديميات الوطنية الأمريكية العام الماضي بخلاف ذلك. فبينما تعتمد الحكومات على الإحصاءات الرسمية في كل شيء، بدءاً من التمثيل السياسي - المرتبط غالباً بعدد السكان، وصولاً إلى تعديل المعاشات التقاعدية وغيرها من مدفوعات الرعاية الاجتماعية وفقاً للتضخم، فإن العديد من المؤسسات والمنظمات والأفراد يعتمدون أيضاً على الإحصاءات الموثوقة في أمور شتى.
وتشير تقديرات الأكاديميات الوطنية الأمريكية إلى أن إيرادات ((القطاع الحكومي كثيف البيانات)) في الولايات المتحدة تضاعفت تقريباً بين عامي 2012 و2022، لتصل إلى ما يقارب 800 مليار دولار، ما يُعد مؤشراً واضحاً على أن هذه الأرقام تُفيد كثيرين. وللمقارنة، بلغ إجمالي ميزانية جميع الوكالات والبرامج الإحصائية الأمريكية في عام 2022 نحو 7.1 مليارات دولار. عموماً، فإنك إذا أردت معرفة مدى فائدة شيء ما، يمكنك دائماً النظر إلى ما يحدث عند فقدانه. ويُمكننا تسمية هذا بـ((مبدأ جوني ميتشل)): لا تُدرك قيمة ما تملكه إلا عند فقدانه.
وقد صدرت ورقة عمل جديدة للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية بعنوان ((قيمة الإحصاءات الموثوقة)) من إعداد نيكولاس بلوم من جامعة ستانفورد، وإريكا غروشين، الرئيسة السابقة لمكتب إحصاءات العمل، وباحثين اثنين من معهد المشاريع الأمريكية، وهو مركز أبحاث مؤيد لاقتصاد السوق الحر. وتتناول الورقة التأثير الفعلي لانقسام محدد: إقالة الرئيس ترامب في أغسطس الماضي لإريكا ماكنتارفر، رئيسة مكتب إحصاءات العمل، وتصريحه بأن ((أرقام الوظائف اليوم مُزوّرة لتشويه صورة الجمهوريين، وصورتي أنا أيضاً)).
لقد مثل ذلك هجوماً مزدوجاً على مصداقية مكتب إحصاءات العمل. ومن خلال مهاجمة سجل المؤسسة، أضرّ ترامب بها في نظر مؤيديه، لكن باستبداله رئيسة المكتب بهذه الطريقة، فقد طاله هو الضرر في نظر خصومه.
ولقياس ذلك، يعتمد الباحثون على مؤشر عدم اليقين في السياسة الاقتصادية، وهو يقوم على مجموعة بيانات طُوِّرت قبل نحو خمسة عشر عاماً على يد بلوم وآخرين. ويتم القياس من خلال تحليل نصوص الصحف الأمريكية الكبرى. ولم يكن مفاجئًا ارتفاع المؤشر بشكل حاد فور إقالة ماكنتارفر. ثم تراجع بعد فترة وجيزة، لكن كما يشير الباحثون، ((حتى عندما يكون الارتفاع الأساسي في حالة عدم اليقين أكثر استمراراً، فإن دورة الأخبار تمضي قدماً)). واستناداً إلى أبحاث سابقة حول تأثير عدم اليقين على الاستثمار والنمو، يرجح الباحثون أن الزيادة في عدم اليقين الاقتصادي في ذلك الأسبوع ربما تسببت في أضرار اقتصادية بقيمة 104 مليارات دولار، وأن ما يصل إلى 168 ألف وظيفة ربما فُقدت.
بلا شك، هذه أرقام كبيرة، لكن كما يُقر بلوم وزملاؤه، فهي ليست تقديرات دقيقة لتأثير تصريحات ترامب وأفعاله، لوجود أسباب أخرى لارتفاع مؤشر عدم اليقين الاقتصادي. السبب الأول والأكثر وضوحاً هو أن سبب إقالة ماكنتارفر كان مراجعة كبيرة بالخفض في أرقام الوظائف، والتي كانت ستزيد من حالة عدم اليقين حتى لو لم يفعل ترامب شيئاً. وفي اليوم نفسه، أعلنت أدريانا كوجلر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، استقالتها. ووقعت هذه الأحداث الثلاثة مجتمعة في غضون ساعات قليلة، وكان من الممكن تفسيرها في ذلك الوقت على أنها تزيد من حالة الفوضى وترفع مؤشر عدم اليقين الاقتصادي.
ورغم أن الأضرار المُقدّرة من هذه القضية لا تُمثل سوى جزء ضئيل للغاية من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، إلا أنها تُعادل حوالي 25 ضعف ميزانية مكتب إحصاءات العمل. ولعلّ هذه هي الحجة التي تدعو إلى الاستثمار في إحصاءات موثوقة، وعدم تقويضها طمعًا في مكاسب حزبية عابرة: فهي لا تُكلّف الكثير مقارنة بما تسعى إلى قياسه.
في الولايات المتحدة، يُخصّص ما يزيد قليلاً عن دولار واحد من كل ألف دولار من الإنفاق الحكومي الفيدرالي للوكالات وغيرها من البرامج الإحصائية. وتكمن الحجة المؤيدة للإحصاءات الممولة حكومياً في أن إنفاق دولار واحد من كل ألف دولار يستحق العناء، على أمل أن يُستغلّ المبلغ المتبقي، وهو 999 دولاراً، بشكل أفضل ولو بنسبة ضئيلة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment