مكاسب استراتيجية للصين من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط
وفي واقع الأمر، فتح الصراع آفاقاً أمام الصين لزيادة نفوذها الاقتصادي العالمي. فقد أبرزت أسعار الوقود الأحفوري المرتفعة وتقلبات الإمدادات حاجة الدول إلى تسريع تحولها إلى مصادر الطاقة المتجددة. وهذا يعد في النهاية مكسباً كبيراً لبكين، إذ تشكل الشركات الصينية ما لا يقل عن 70% من الطاقة الإنتاجية العالمية للتقنيات الخضراء الرئيسية. ومنذ اندلاع حرب إيران، شهدت صادرات بكين من منتجات الطاقة الشمسية والبطاريات ارتفاعاً ملحوظاً، مما يؤكد صحة استثمار الحكومة الصينية طويل الأجل في سلاسل إمداد الطاقة النظيفة.
علاوة على ذلك، فقد أدى نهج ترامب المتقلب في السياسة الخارجية إلى نفور عدد من حلفاء الولايات المتحدة، وعزز مكانة بكين الدولية النسبية. وتظهر بيانات استطلاع رأي أجرته شركة ((مورنينغ كونسلت)) أن شعبية الصين عالمياً ظلت إيجابية، متجاوزة شعبية الولايات المتحدة، منذ فرض ترامب تعريفات ((يوم التحرير)) في أبريل 2025. وبإمكان الحكومة الصينية استغلال هذا الوضع لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول المتقدمة والنامية. وفي مارس، جمع رئيس الوزراء لي تشيانغ الرؤساء التنفيذيين العالميين في منتدى التنمية الصيني لاستعراض الموثوقية الكبيرة للبلاد ودورها الرئيسي في سلاسل الإمداد. كما أن مخزون بكين من الموارد - من الأسمدة إلى الوقود المكرر - يمكنها أن تكون المورد الأخير للدول التي تواجه نقصاً في هذه الموارد. وتضع خبرة الصين في مشاريع البنية التحتية في موقع متميز لدعم إعادة بناء الموانئ ومنشآت الطاقة والمصانع في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، فقد أسهمت الحرب في تعزيز استخدام اليوان الصيني على نطاق أوسع، وهو هدف تسعى إليه بكين منذ سنوات. وقد ساعد الاهتمام المتزايد بتكنولوجيا الطاقة النظيفة والسندات التي تصدرها بكين - مع بروز اقتصادها كملاذ نسبي من ارتفاع أسعار الطاقة - في زيادة الطلب على العملة. ومنذ مارس، أفادت تقارير بأن إيران تسمح بمرور السفن عبر المضيق مقابل رسوم تُدفع باليوان أو العملات المشفرة. كما لجأت دول أخرى بشكل متزايد إلى العملة الصينية أو أنظمة الدفع الصينية للتحوط من مخاطر تقلبات الدولار والعقوبات الاقتصادية في ظل الإدارة الأمريكية الحالية.
من ناحية أخرى، فإن هذه الانفتاحات لا تضمن بالضرورة تعزيزاً كاملاً لقوة الصين. فاستمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد يُعيق النمو من خلال إضعاف الطلب محلياً ودولياً. ومن المرجح أيضاً أن تحد المخاوف المتعلقة بالأمن القومي، لا سيما في أوروبا، من ازدهار الصادرات الخضراء.
ويرى عدد من الخبراء أنه بدون بذل المزيد من الجهود لتعزيز الاستهلاك المحلي الصيني، قد يُقيّد النفور من الفائض التجاري الصيني محاولات الصين لتحسين علاقاتها الدولية. كما أن تركيز بكين على تأمين احتياطياتها الخاصة من المواد الخام قد حد من جهودها لتقديم الدعم للدول التي تواجه نقصاً في هذه المواد. ورغم أن عدم الاستقرار الجيوسياسي قد يكون حافزاً لتدويل اليوان، إلا أن الصين ستواجه صعوبة في توسيع جاذبيتها للمستثمرين ما لم تخفف الحكومة القيود على رؤوس الأموال وتُظهر مزيداً من الاستقرار في صنع السياسات الداخلية.
إن قاعدة ترامب الشعبية لا تزال مصرة على اعتقادها بأن الرئيس الأمريكي يلعب لعبة شطرنج ذكية ومعقدة، لكن الواقع يقول حتى الآن، إن حربه لم تُسفر إلا عن تعزيز موقف الصين على الساحة الدولية.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment