الخوف من فوات الفرصة لا يكفي وحده لدفع سياسة التكنولوجيا الأوروبية
الجانب شديد الخطورة يكمن في أن التبعية التكنولوجية تنذر بالخضوع الجيوسياسي
يُعتقد على نطاق واسع أن سياسات النمو في الاتحاد الأوروبي تقمع شرارة المبادرة الريادية الأولى من قبضة تكنوقراطية متحفظة أو ((مجموعة عمل أوروبية مرعبة))، كما وصفها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ساخراً. لكن من الصحيح أيضاً القول إن عملية صنع السياسات في الاتحاد الأوروبي تتأثر بشيء أكثر فطرية، وإن لم يكن بالضرورة أفضل وهو ظاهرة ((فومو)) أو الخوف الشديد من فوات الفرصة.
هذه الظاهرة حاضرة بقوة في سياسة التكنولوجيا الرقمية عموماً، وفي الذكاء الاصطناعي خصوصاً، والذي يعده كثيرون المحرك الأبرز للنمو. ويكاد المرء لا يلتفت في بروكسل أو أي عاصمة أوروبية أخرى لمن يقول له إن أوروبا ((تخسر السباق)) أو أن قدرتها التنافسية مهددة بقوة لأنها لا تستطيع مضاهاة الولايات المتحدة أو الصين في تطوير نماذج لغوية ضخمة محلية.
لكن من الأفضل التريث قليلاً، فالخوف من فوات الفرصة قد لا يكفي وحده دافعاً قوياً لسياسة جيدة. ففي نهاية المطاف، لا يكمن جوهر الأمر في التنافسية بحد ذاتها، بل في نمو الإنتاجية، أي قدرة الشركات على مواصلة تحسين مخرجاتها القيّمة من موارد محددة.
ولا يزال من غير المعروف تماماً ما إذا كانت النماذج الأساسية هي مصدر القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، أياً كانت قيمتها. ومن المفترض أن أي تحسن في نمو الإنتاجية سيأتي من توظيف هذه التقنية بذكاء في مختلف الأنشطة الاقتصادية، وهي فرصة لا تقتصر على من ينفقون مبالغ طائلة على تدريب النماذج. بل إن العديد من الصناعيين يعتقدون أن التقاليد الصناعية الأوروبية يمكن أن تشكل ميزةً في جعل الذكاء الاصطناعي يحقق نمواً حقيقياً.
وهناك ما يدعو للاعتقاد بأنه مع انتقالنا من تدريب الذكاء الاصطناعي إلى توظيفه، سيتمكن عدد أكبر بكثير من الشركات، يتجاوز بكثير الشركات العملاقة، من المنافسة على حصة من السوق، في مجالات تتراوح بين الرقائق الإلكترونية المُصممة لتدريب النماذج وتطبيقات البرمجيات التي تستفيد على النحو الأمثل من قدرات الذكاء الاصطناعي التي توفرها الشركات العملاقة.
إن التحديات الحقيقية التي تطرحها ثورة الذكاء الاصطناعي على الاقتصادات الأوروبية هي أكثر واقعية وأكثر تأثيراً من مجرد خسارة سباق التنافسية. وعلى الصعيد العالمي، تكمن المسألة ببساطة في السعر ومخاطر دفع مبالغ باهظة في ظل غياب بدائل أوروبية لأنظمة الذكاء الاصطناعي الأمريكية أو الصينية.
فقد شهدت منطقة اليورو بالفعل تحول فائضها الثنائي السنوي مع الولايات المتحدة، والذي بلغ 100 مليار يورو في بداية العقد، إلى عجز تجاوز 50 مليار يورو العام الماضي. ويعود جزء كبير من هذا العجز إلى ارتفاع مدفوعات الخدمات التجارية ورسوم الملكية الفكرية. وهذا يرسم صورة لاقتصاد واقع تحت سيطرة موردين أجانب يستغلون نفوذهم السوقي لانتزاع المزيد من الريع الاقتصادي. وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن التوسع في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية يمكن أن يعزز هذا النمط.
والجانب الأكثر خطورة أن التبعية التكنولوجية تنذر بالخضوع الجيوسياسي، وهو تهديد يطال في نهاية المطاف الحريات الأوروبية. ويعود تأخر أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الأسباب نفسها التي أدت إلى تأخرها في التقنيات الرقمية الأخرى:
- غياب أسواق رأسمالية متطورة لتوجيه مدخرات التكتل الضخمة نحو كوادرها الريادية الوفيرة.
- تجزئة السوق المستمرة التي تُصعّب التوسع مقارنةً بأوروبا.
- ضعف المسارات والحوافز للانتقال من الرؤى العلمية إلى المنتجات التجارية.
والحلول معروفة، حسب ما يؤكد الرؤساء التنفيذيون لكبرى شركات التكنولوجيا الأوروبية، لكنها تتطلب قيادة سياسية فعّالة. وفي الوقت نفسه، يخاطر البحث عن سياسات جديدة خاصة بالذكاء الاصطناعي بتشتيت الجهود عن معالجة الأساسيات. وكذلك الحال مع التركيز على أن التنظيمات تعيق الابتكار.
ولا شك في إمكانية تبسيط القواعد المحددة، كما أن التغييرات المستمرة في اللوائح تُبطئ الأمور. لكن وضع معايير للمنتجات (رقمية أو غيرها) وتحديد المسؤولية عن الفشل لا يُشكل عبئاً أكبر على الشركات من مواصفات المنتج أو الشروط التعاقدية للعميل.
وهناك أداة سياسية جديدة تستحق مكانة أكبر في ترسانة الأدوات الأوروبية: استخدام المشتريات العامة لخلق أسواق، وهو ما أشار إليه لوك فريدن، رئيس وزراء لوكسمبورغ، في خطاب ألقاه الأسبوع الماضي، حيث يُمثّل القطاع العام جزءاً كبيراً من الطلب في الاقتصادات الأوروبية، يليه النشاط الخاص المدعوم من الدولة. وكلاهما أداتان يجب استخدامهما بوعي أكبر لضمان أسواق مستقرة للتكنولوجيا الرقمية الأوروبية.
كذلك، تُعدّ معالجة البيانات العسكرية والبيانات العامة الحساسة، بالإضافة إلى البحث والتطوير، من المجالات الواضحة للبدء - لأسباب أمنية، وأيضاً لتمكين الشركات من الاستثمار على أمل بيع منتجاتها.
وقد يكون النموذج الأمريكي القائم على رأس المال المخاطر بمثابة حلم بعيد المنال: ابنِ المشروع، وسيأتون. لذلك، قد يكون النهج الأوروبي عكس ذلك: استثمر أموالك، وسيبنون لك المشروع.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment