هل يستعيد المسرح الكويتي انضباطه الفني؟
مفرح الشمري
وسط حراك متسارع تشهده الساحة المسرحية في الكويت، جاءت التشكيلات الجديدة للجان التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وكأنها محاولة جادة لإعادة ترتيب المشهد المسرحي من الداخل، ليس عبر البيانات والشعارات، بل من خلال إعادة توزيع الأدوار بين الإجازة والمتابعة والرقابة، في خطوة تحمل أبعادا تنظيمية وفنية تتجاوز الطابع الإداري التقليدي.
التقسيم الجديد للجان يكشف بوضوح عن التوجه نحو إنهاء فكرة «القرار الواحد» أو «النافذة الواحدة» التي كانت تختصر تقييم العروض في رؤية منفردة، حيث جرى الفصل بين لجان إجازة النصوص، ولجان متابعة التنفيذ، ولجان الالتزام بالعروض المسرحية، في اعتراف ضمني بأن أزمة بعض الأعمال لا تبدأ دائما من النص المكتوب، بل أحيانا مما يحدث فوق الخشبة بعد الموافقة الرسمية.
وخلال السنوات الماضية، شهد المسرح الكويتي تفاوتا واضحا بين النصوص المقدمة وما يصل فعليا إلى الجمهور، نتيجة الارتجال المبالغ فيه، أو البحث عن الضحكة السريعة والإفيهات الوقتية على حساب البناء الفني والرسالة المسرحية، الأمر الذي خلق حاجة فعلية إلى منظومة رقابية ومهنية لا تكتفي بختم الإجازة، بل تتابع المنتج النهائي وتحاسب على أي تجاوز أو خروج عن روح النص المعتمد.
ومن اللافت أن التشكيلات الجديدة لم تعتمد على الجانب الأكاديمي وحده، ولا على الأسماء الميدانية فقط، بل حاولت خلق توازن بين الخبرة النظرية والتجربة العملية، في رسالة تؤكد أن المسرح لا يدار بالكتب وحدها، كما لا يترك بالكامل لاجتهادات السوق والعروض التجارية الباحثة عن الإيراد السريع.
كما أن تخصيص لجان مستقلة لمسرح الطفل يعد من أبرز المؤشرات الإيجابية في هذه التشكيلات، خصوصا أن هذا النوع من المسرح ظل لسنوات يعامل باعتباره نشاطا موسميا، رغم حساسيته الفكرية والتربوية، وتأثيره المباشر في وعي الأجيال الجديدة، ما يستوجب رقابة أكثر وعيا ومسؤولية تجاه ما يطرح من مضامين ورسائل.
البيان الرسمي للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب تحدث عن «تعزيز الجودة» و«التجديد» و«الالتزام بالمعايير»، وهي مفردات تحمل في مضمونها اعترافا غير مباشر بأن المرحلة الماضية شهدت شيئا من التكرار والترهل الفني، وربما التساهل أحيانا، ما استدعى إعادة ترتيب أدوات التقييم والمتابعة، ومحاولة استعادة هيبة المسرح بوصفه مشروعا ثقافيا لا مجرد مساحة للتهريج أو الاستسهال.
لكن الرهان الحقيقي لن يكون على أسماء اللجان بقدر ما سيكون على طريقة عملها، ومدى قدرتها على اتخاذ قرارات مهنية حازمة بعيدا عن المجاملات أو الضغوط التجارية، فالمشهد المسرحي اليوم بحاجة إلى لجان لا تتهاون مع أي مخالفة تمس هوية المسرح الكويتي أو تحاول الالتفاف على النصوص المجازة عبر «فذلكات» مرتجلة تسيء إلى الفن أكثر مما تخدمه.
المطلوب اليوم ليس التضييق على الإبداع، بل حماية المسرح من الفوضى، والحفاظ على قيمته الفنية والثقافية، خصوصا في ظل ظهور بعض العروض التي تراهن على الإثارة والابتذال السريع بدل الرؤية المسرحية الحقيقية.
ختاما، تبدو هذه الخطوة أقرب إلى محاولة لإعادة الانضباط إلى المسرح الكويتي، لا لإعادة اختراعه بالكامل، فالنهضة المسرحية لا تصنعها اللجان وحدها، بل يصنعها مشروع ثقافي متكامل يبدأ من النص، ويمر بالممثل والمخرج، وينتهي عند جمهور يشعر بأن ما يقدم له يستحق فعلا أن يسمى «مسرحاً»!
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment