وحش برمودا.. القصة المذهلة للحوض العائم الذي حيّر العالم
هذا المشروع الضخم، الذي حمل اسم HM Floating Dock Bermuda والمعروف اختصاراً بـ "HM Bermuda"، تحول لاحقاً إلى أحد أكثر الإنجازات البحرية والهندسية إثارة في القرن التاسع عشر، رغم أنه بقي بعيداً عن الشهرة مقارنة بمشاريع هندسية أخرى من الحقبة نفسها.
قاعدة بحرية استراتيجية تواجه أزمة لوجستية
خلال منتصف القرن التاسع عشر، كانت برمودا تمثل مركزاً استراتيجياً مهماً للبحرية الملكية البريطانية في غرب المحيط الأطلسي، خاصة بعد خسارة بريطانيا لعدد من أحواضها البحرية في أمريكا عقب حرب الاستقلال الأمريكية.
ومع تزايد أهمية القاعدة البحرية البريطانية في الجزيرة خلال الحروب الأمريكية والثورة الصناعية، أصبحت الحاجة ملحّة إلى إنشاء حوض جاف متخصص لصيانة السفن الحربية وإصلاحها، حتى لا تضطر السفن البريطانية إلى الإبحار لأسابيع أو أشهر نحو أحواض بعيدة لإجراء أعمال الصيانة.
لكن العقبة الكبرى تمثلت في طبيعة الجزيرة نفسها، إذ تتكون برمودا من صخور كلسية شديدة المسامية، ما يعني أن أي منشأة يتم تجفيفها ستتعرض باستمرار لتسرب المياه الجوفية إليها، وهو ما جعل بناء حوض جاف ثابت شبه مستحيل تقنياً في ذلك الزمن.
القرار البريطاني: إذا استحال بناء الحوض.. فلنجعله يطفو
أمام هذا التحدي، اتخذ المهندسون البريطانيون قراراً غير مسبوق تمثل في بناء حوض جاف عائم بالكامل في بريطانيا، ثم قطره بحراً إلى برمودا.
بدأ تنفيذ المشروع في أحواض "كامبل وجونستون" على نهر التايمز في لندن، حيث شارك نحو 1400 عامل في تصنيع الهيكل المعدني العملاق باستخدام ألواح فولاذية مثبتة بالمسامير.
ووصل طول الحوض إلى 381 قدماً، أي نحو 116 متراً، بينما بلغ ارتفاعه 74 قدماً، أي حوالي 22 متراً، فيما اقترب وزنه من 8 آلاف طن.
وجاء تصميمه على شكل قناة نصف دائرية ضخمة تشبه "أنبوباً عملاقاً" أو "نصف أنبوب"، ليصبح واحداً من أغرب التصاميم البحرية في العصر الفيكتوري.
رحلة تاريخية عبر الأطلسي
أُطلق الحوض إلى المياه عام 1868، إلا أن الظروف الجوية السيئة أخرت عملية نقله إلى صيف 1869.
وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك قاطرات بحرية قادرة على سحب هيكل بهذا الحجم، لذلك استعانت البحرية الملكية البريطانية بعدد من سفنها الحربية المدرعة لتنفيذ المهمة.
تولت السفينتان HMS Agincourt وHMS Northumberland سحب الحوض حتى جزيرة ماديرا، قبل أن تستكمل السفينتان HMS Warrior وHMS Black Prince الرحلة نحو برمودا، بينما لعبت السفينة HMS Terrible دوراً مهماً في توجيه الحوض أثناء الرحلة.
وللمساعدة في دفع الحوض خلال الرحلة الطويلة، جرى تثبيت أقمشة شراعية ضخمة على جانبيه للاستفادة من الرياح، ومع ذلك لم تتجاوز سرعة القافلة البحرية نحو خمس عقد بحرية فقط.
وصول معقد ومخاطر بحرية
في 28 يوليو 1869، وصلت HM Bermuda إلى الجزيرة بعد رحلة بحرية وصفت حينها بأنها واحدة من أعقد عمليات النقل البحري في العالم.
واحتشد سكان برمودا لمشاهدة الحوض العملاق عند وصوله، لكن المرحلة الأصعب كانت إدخاله إلى موقعه التشغيلي، حيث واجهت العملية قنوات مائية ضيقة وعواصف مفاجئة ومخاطر اصطدام متعددة.
ولحماية الهيكل من الأضرار، جرى إغراق الحوض مؤقتاً في قاع خليج "غراسي باي" حتى تحسن الطقس، قبل نقله لاحقاً إلى موقعه النهائي وبدء تشغيله رسمياً.
كيف عمل الحوض العائم؟
اعتمد تصميم HM Bermuda على نظام متطور من خزانات الاتزان المائية.
فعند ملء الخزانات بالمياه، يغوص الحوض أسفل سطح البحر ليسمح بدخول السفن الحربية إلى داخله، وبعد تثبيت السفينة يتم ضخ المياه خارج الخزانات، ما يولد قوة طفو هائلة ترفع الحوض والسفينة معاً فوق سطح الماء.
وكان الحوض قادراً على رفع سفن يصل وزنها إلى 8300 طن، بينما بلغ إجمالي الإزاحة مع وزنه الذاتي نحو 16300 طن، وهو رقم مذهل بمعايير القرن التاسع عشر.
وبمجرد رفع السفينة، يتمكن العمال من تنظيف الهيكل وإزالة الطحالب البحرية وإصلاح المراوح وسد التسربات وإجراء أعمال الصيانة الكاملة.
ميزة هندسية سبقت عصرها
الأكثر إدهاشاً أن الحوض صُمم بميزة "الانقلاب الذاتي" أو self-careen، ما سمح له بالميلان على أحد جانبيه حتى يتمكن العمال من تنظيف الحوض نفسه وصيانة هيكله الخارجي وإزالة التراكمات البحرية.
وظلت HM Bermuda في الخدمة لأكثر من ثلاثة عقود كاملة، محافظة على جاهزية الأسطول البريطاني في الأطلسي، قبل استبدالها عام 1902.
وبعد إخراجها من الخدمة، بيعت كخردة معدنية، لكنها انفلتت أثناء قطرها وارتطمت بشعاب مرجانية قرب برمودا، ولا تزال أجزاء من هيكلها الصدئ ظاهرة حتى اليوم فوق مياه خليج "ستوفيل"، كشاهد على واحدة من أعظم الابتكارات البحرية في التاريخ الحديث.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment