الكثير من التقلبات الحادة في موازين القوى بين أصحاب الأعمال والموظفين
يا له من تغيير شامل! قبل أربع سنوات، كانت هناك تقارير عن أن شركات محاماة تدعو موظفيها لإحضار كلابهم إلى المكتب، بينما كان بعض المصرفيين يستمتعون بـ((جمعة صيفية)). حينها قال أحد محللي وول ستريت: ((فقط أدخل إلى برنامج ((تيمز))، أتفقد بريدي الإلكتروني، ثم أعيش حياتي)).
الآن، الأوضاع مختلفة تماماً، فالأخبار تدور في الغالب حول سحب مثل هذه المزايا، بل وحتى إلزام بعض الشركات موظفيها بوضع هواتفهم المحمولة في حقائب قابلة للقفل لتعزيز الأمن، و((إزالة عوامل التشتيت، وزيادة الانضباط)).
من الممكن دائماً إيجاد تفسير اجتماعي أو تقني أو إداري لهذه التغيرات. لكن تذبذب مزايا العمل عادةً ما يكون مؤشراً على أمر أساسي واحد: تغير موازين القوى بين أصحاب العمل والموظفين. في الأوقات العادية، يبدو هذا وكأنه شد وجذب خفيف يتماشى مع الدورة الاقتصادية. وخلال السنوات الخمس الماضية، كانت هناك سلسلة من التقلبات الحادة.
وأفضل مقياس يمكن متابعته هو معدل ترك الموظفين لوظائفهم طواعية. فبعد الجائحة، منح نقص العمالة العمالَ موقفاً تفاوضياً قوياً بشكل غير معتاد. وبلغ معدل الاستقالة - أي نسبة من تركوا وظائفهم طواعيةً إلى إجمالي العمالة - حوالي 2.3% في الولايات المتحدة قبل الجائحة، ثم ارتفع إلى حوالي 3% في عام 2021. وتُظهر بيانات المملكة المتحدة نمطًا مشابهًا، فيما هناك صعوبة في الحصول على إحصاءات حول معدلات الاستقالة في بلدان أخرى.
عموماً، فإن ميل الموظفين إلى الاستقالة انخفض بشكل كبير منذ ذلك الحين. وفي الولايات المتحدة، بلغ آخر معدل 1.9% فقط، وهو الأدنى منذ حوالي عقد من الزمان (باستثناء فترة الجائحة). وفي المملكة المتحدة، النمط أيضا مشابه تماماً. لقد انتهى عصر الاستقالات الكبرى. ومرحبًا بكم في عصر الانكماش الاقتصادي.
في المرة الأخيرة التي انخفضت فيها معدلات الاستقالة إلى هذا المستوى في كلا الاقتصادين، كانت البطالة أعلى مما هي عليه الآن. فلماذا يُصرّ الموظفون على البقاء في وظائفهم؟ أولاً، هناك الكثير من عدم اليقين الاقتصادي الكلي، بدءاً من الحروب التجارية وصولاً إلى الحروب الحقيقية. كما أن التحذيرات المتكررة بشأن فقدان الوظائف الوشيك نتيجة الذكاء الاصطناعي لا تُسهم في تعزيز الثقة. كذلك، يُعاني سوق الإسكان الأمريكي من الضعف - مع أن العلاقة السببية قد تكون متبادلة. وأظن أيضاً أن بعض الأشخاص الذين تحولوا إلى العمل عن بُعد خلال الجائحة وانتقلوا إلى المناطق الريفية قد يكونون الآن عالقين في تلك الوظائف، دون وجود بدائل كثيرة تُناسب احتياجاتهم.
وبالنسبة للشركات، يُنظر عادةً إلى انخفاض معدلات الاستنزاف على أنه أمر إيجابي.
لكن بالنسبة للاقتصاد، الأمر عكس ذلك، فهذا يعد مؤشراً على انخفاض الثقة الاقتصادية. وتشير أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن ((إعادة توزيع العمالة)) - أي انتقال الأفراد من الشركات الراكدة إلى الشركات النامية - لا يعكس فقط الديناميكية الاقتصادية ونمو الإنتاجية، بل يُسهم في دفعها قُدماً.
كل هذا يُعيدنا إلى موضوع الذكاء الاصطناعي. هناك بعض المؤشرات التي تُشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة بدأت تُعزز نمو الإنتاجية في الولايات المتحدة. ولكن إن صحّ هذا الأمر، فلا بد أن يكون ذلك في المقام الأول من خلال مساعدة الموظفين على أن يكونوا أكثر إنتاجية في وظائفهم الحالية، بدلاً من أنواع نمو الإنتاجية الأكثر تعقيداً، وإن كانت غالباً أكثر تأثيراً، والتي تنجم عما أسماه الخبير الاقتصادي جوزيف شومبيتر ((التدمير الخلاق)).
وبالنسبة للمتشائمين، كان ذلك سيبدو كخسائر هائلة في الوظائف ونمو ((طبقة دنيا دائمة)) من غير القادرين على العمل. أما بالنسبة للمتفائلين، فمن المرجح أن يبدو الأمر كطفرة طبيعية من التغير التكنولوجي السريع: تتقلص بعض المهن والصناعات بينما تنمو أخرى، وتستحدث مهن جديدة بينما تختفي أخرى، وسيجد عدد كبير من الناس العديد من الوظائف في موجة اضطراب مُربكة.
وفي الواقع، صرّحت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، العام الماضي بأن الذكاء الاصطناعي ((يشبه تسونامي يضرب سوق العمل))، لكن بيانات أسواق العمل لا توحي بوجود ((تسونامي)). فالناس لا يُفصلون من وظائفهم بأعداد كبيرة، ولا يُوظفون بأعداد كبيرة، ولا ينتقلون إلى فرص عمل جديدة بأعداد كبيرة. باختصار، ربما يكون الناس مُحقّين في ضرورة الاستعداد. أو ربما أننا نتوقع جميعاً من قصة الذكاء الاصطناعي أحداثاً أكثر مما ينبغي.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment