بين من صار مايكل ومن حسب نفسه مايكل!

(MENAFN- Al-Anbaa)


مفرح الشمري

وأنا أشاهد فيلم Michael المعروض حاليا في صالات السينما، لم يكن الأمر مجرد متابعة لعمل يسلط الضوء على سيرة «ملك البوب» مايكل جاكسون، بل بدا كأن نافذة قد فتحت على ذاكرة أقدم، ذاكرة تعود بنا أكثر من أربعة عقود إلى الوراء، حين طرحت الفكرة نفسها، لكن بلغة مختلفة تماما.
تعود الحكاية، بشكل أو بآخر، إلى عام 1984، إلى خشبة مسرحية «فرحة أمة»، حيث قدم عبدالرحمن العقل شخصية الشاب المولع بمايكل جاكسون، في عمل كتبه الراحل عبدالحسين عبدالرضا وأخرجه الراحل فؤاد الشطي، هناك لم يكن التقليد هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لطرح سؤال مبكر، ماذا يحدث حين يتحول الإعجاب إلى محاولة للذوبان؟
اليوم، وبعد أكثر من 40 عاما، يعود السؤال ذاته لكن من زاوية معاكسة في الفيلم، يقدم جافار جاكسون أداء يقترب من ملامح عمه إلى حد الالتباس، الحركة، الصوت، الحضور، كل شيء يبدو وكأنه محاولة دقيقة لإحياء الأسطورة، لا لتفكيكها، هنا، لا يطرح سؤال «لماذا نقلد؟»، بل «هل يمكن أن يعود مايكل؟»!
بين التجربتين، مسافة زمنية طويلة، لكنها تكشف مفارقة لافتة، في المسرح كان التقليد أداة للسخرية والتأمل، يبالغ في الصورة حتى يفضحها، ويجعل الجمهور يرى هشاشة الانبهار حين يتحول إلى فقدان تدريجي للذات، أما في السينما فالتقليد يبلغ ذروته حين يختفي، حين ينجح إلى درجة أنه يقنعك بأن ما تراه ليس تمثيلا، بل استعادة حقيقية لشخص غاب!
لكن الفارق الأعمق لا يكمن فقط في الأسلوب، بل في الوظيفة، في مسرحية «فرحة أمة»، كان التقليد كاشفا عن مرآة ساخرة تعيدك إلى نفسك، وفي فيلم Michael جسر يعيد بناء الأسطورة في وعي جديد.
وهنا تتضح فكرة أكثر تعقيدا في العملين أن ليست كل محاكاة فقدانا للهوية أو تكون طريقا إليها، فالفنان، في كثير من الأحيان، يبدأ من الآخرين، يمر عبرهم، يتعلم منهم، قبل أن يصل إلى صوته الخاص، الخطر لا يكمن في التقليد ذاته، بل في التوقف عنده، وفي تحويله من مرحلة إلى حالة دائمة!
لهذا، يبدو أن السؤال الذي طرحته المسرحية قبل أربعة عقود، وأعاده الفيلم اليوم بشكل مختلف، لم يفقد راهنيته، بل ربما ازداد عمقا: هل نستخدم من نعجب بهم كسلم نصعد به أم كهوية نقيم داخلها؟!
بين من يحاول أن «يكون مايكل»، ومن يكشف عبث هذه المحاولة، لا يظهر النجم وحده، بل يظهر الإنسان في لحظة اختبار حقيقية بين الإلهام والتأثر.
الحكاية لم تتغير كثيرا لكنها نضجت، من ضحكة مسرحية كانت تفضح الفكرة، إلى صورة سينمائية تحاول إقناعك بها، ليبقى السؤال معلقا: كم «مايكل» يمكن أن يولد، وكم منهم قد يضيع، وهو يحاول أن يكون غيره؟!

MENAFN05052026000130011022ID1111073348

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث