التفوق الأكاديمي لا يكفي

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej) تعاني‭ ‬مملكة‭ ‬النحل‭ ‬من‭ ‬التسلط‭ ‬الأنثوي،‭ ‬لأن‭ ‬أنثى‭ ‬نحلة‭ ‬تستولي‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬وتجلس‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخلية‭ ‬‮«‬تنبل‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬بلا‭ ‬شغل‭ ‬أو‭ ‬مشغلة،‭ ‬تأكل‭ ‬وتشرب‭ ‬وتمارس‭ ‬التناسل‭ ‬بـ«المجان‮»‬،‭ ‬وتصبح‭ ‬الملكة‭ ‬وست‭ ‬الكل،‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬كد‭ ‬وجهد‭ ‬ملايين‭ ‬النحلات‭ ‬اللواتي‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طيران‭ ‬متواصل‭ ‬طيلة‭ ‬النهار،‭ ‬جيئة‭ ‬وذهابا‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الزهور‭ ‬والورود‭ ‬والخلية،‭ ‬وينجم‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬إنتاج‭ ‬العسل‭ ‬الشهي،‭ ‬ثم‭ ‬يصبح‭ ‬العسل‭ ‬المقترن‭ ‬بتلك‭ ‬الملكة‭ ‬هو‭ ‬الأغلى‭ ‬سعرا‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬النمل‭ ‬فالكل‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تخزين‭ ‬الطعام،‭ ‬ولكن‭ ‬بنظام‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬نملة‭ ‬مهمة‭ ‬محددة،‭ ‬وغير‭ ‬مسموح‭ ‬لها‭ ‬بالاجتهاد‭ ‬واكتساب‭ ‬خبرات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬أو‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭. ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬التخصص‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬محدد‭ ‬يجعل‭ ‬مخ‭ ‬المتخصص‭ ‬ذا‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬إذا‭ ‬حاد‭ ‬وخرج‭ ‬عنه‭ ‬ضل‭ ‬الطريق‭.‬

اللورد‭ ‬البروفسر‭ ‬روبرت‭ ‬ونستون،‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬علماء‭ ‬وأطباء‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬مختبر‭ ‬للأبحاث‭ ‬الطبية،‭ ‬وكان‭ ‬يقدِّم‭ ‬أنجح‭ ‬برنامجين‭ ‬علميين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬التلفزيون‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬هما‭ ‬ child ‭ ‬ of ‭ ‬ our ‭ ‬ time ‭ ‬‮»‬طفل‭ ‬زمننا‭ ‬المعاصر‮«‬،‭ ‬و the ‭ ‬ human ‭ ‬ body ‭ ‬الجسم‭ ‬البشري،‭ ‬وخلال‭ ‬محاضرة‭ ‬قدمها‭ ‬في‭ ‬أكاديمية‭ ‬كلابتن‭ ‬للبنات‭ ‬فجّر‭ ‬ونستون‭ ‬قنبلة‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬دويُّها‭ ‬يتردد‭ ‬عبر‭ ‬أعمدة‭ ‬صحف‭ ‬بريطانيا‭. ‬قال‭ ‬ونستون‭: ‬‮«‬في‭ ‬مختبر‭ ‬الأبحاث‭ ‬الذي‭ ‬أديره‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬لخريجي‭ ‬الجامعات‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬مرتبة‭ ‬الشرف‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‮»‬‭. ‬بالذمة‭ ‬دا‭ ‬كلام‭ ‬يا‭ ‬عم‭ ‬ونستون؟‭ ‬معقولة؟‭ ‬ترفض‭ ‬الخريجين‭ ‬العباقرة‭ ‬وتوظف‭ ‬خريجين‭ ‬بدرجات‭ ‬أقل؟‭ ‬كان‭ ‬رد‭ ‬بروفسر‭ ‬ونستون‭: ‬بلا‭ ‬عباقرة‭ ‬بلا‭ ‬بطيخ‭. ‬الذين‭ ‬يتخرجون‭ ‬بمراتب‭ ‬الشرف‭ ‬العليا‭ ‬قد‭ ‬يعرفون‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬مجالات‭ ‬تخصصهم،‭ ‬ولكن‭ ‬معظمهم‭ ‬دراويش‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحياة،‭ ‬والمهووسون‭ ‬بالتفوق‭ ‬لا‭ ‬يخصصون‭ ‬وقتا‭ ‬للعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فإنهم‭ ‬ينشأون‭ ‬انعزاليين‭ ‬ولا‭ ‬يستطيعون‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬بروح‭ ‬الفريق‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬عندما‭ ‬يدخلون‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭.‬

ما‭ ‬أن‭ ‬ذاعت‭ ‬أقوال‭ ‬ونستون‭ ‬هذه‭ ‬حتى‭ ‬استعادت‭ ‬الصحف‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬جوليان‭ ‬تان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كمبردج،‭ ‬وتفوق‭ ‬فيها‭ ‬حتى‭ ‬نال‭ ‬الدكتوراه،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭: ‬‮«‬كم‭ ‬أنا‭ ‬حزين‭ ‬رغم‭ ‬تلقي‭ ‬تعليمي‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬على‭ ‬العمر‭ ‬الذي‭ ‬ضاع‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والمذاكرة‭ ‬ودهاليز‭ ‬المكتبات،‭ ‬ففشلت‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬صداقات،‭ ‬ولم‭ ‬أعرف‭ ‬شيئا‭ ‬عما‭ ‬يسمى‭ ‬بالحياة‭ ‬الجامعية‮»‬‭. ‬الكلمتان‭ ‬الأخيرتان‭ ‬مهمتان‭ ‬جدا‭: ‬الحياة‭ ‬الجامعية،‭ ‬فالجامعة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬محاضرات‭ ‬وامتحانات‭ ‬ومقالات‭ ‬ودراسات،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جمعيات‭ ‬ثقافية‭ ‬ورياضية‭ ‬وترفيهية‭ ‬وندوات‭ ‬وجدل‭ ‬و«عفرتة‭ ‬مقننة‮»‬،‭ ‬وإذا‭ ‬تلقى‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬تعليما‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فيها‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬اليوم‭ ‬الدراسي،‭ ‬تجده‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬شاركوه‭ ‬تلك‭ ‬الأنشطة،‭ ‬ولو‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬كليات‭ ‬غير‭ ‬كليته،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬محافظته‭ ‬على‭ ‬علاقاته‭ ‬مع‭ ‬زملاء‭ ‬الكلية‭ ‬‮«‬الرخمين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬حياتهم‭ ‬الجامعية‭: ‬من‭ ‬المحاضرة‭ ‬إلى‭ ‬المكتبة‭ ‬إلى‭ ‬السرير

من‭ ‬تجربتي‭ ‬الخاصة‭ ‬كحامل‭ ‬لبكالوريوس‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬الخرطوم‭ ‬العريقة‭ (‬أو‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستحق‭ ‬تلك‭ ‬الصفة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬المعارف‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬في‭ ‬حلقات‭ ‬النقاش‭ ‬والندوات‭ ‬العامة‭ ‬والمناظرات‭ ‬بين‭ ‬الطلاب‭ ‬كانت‭ ‬أعلى‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬البكالوريوس،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تخصصت‭ ‬فيها،‭ ‬أدخلتني‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬ومخالطة‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬وخارجها‭ ‬دهاليز‭ ‬كانت‭ ‬غريبة‭ ‬علي‭.‬

لا‭ ‬أعني‭ ‬بكلامي‭ ‬أعلاه‭ ‬أنني‭ ‬أشجع‭ ‬الطلاب‭ ‬الجامعيين‭ ‬على‭ ‬تفادي‭ ‬التفوق‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬بل‭ ‬معناه‭ ‬أنني‭ ‬أريد‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يتفوقوا‭ ‬أكاديميا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬وثقافيا،‭ ‬فالجامعة‭ ‬هي‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬ينال‭ ‬فيها‭ ‬الطالب‭/ ‬الطالبة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬وليس‭ ‬فيها‭ ‬عقاب‭ ‬بدني‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬شتائم‭ ‬يوجهها‭ ‬المدرسون‭ ‬للدارسين‭ (‬هكذا‭ ‬كان‭ ‬حال‭ ‬الجامعات‭ ‬على‭ ‬أيامنا‭ ‬ولكنني‭ ‬أسمع‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬أساتذة‭ ‬يخاطبون‭ ‬طلابهم‭ ‬بمفردات‭ ‬من‭ ‬نوع‭: ‬ثور‭.. ‬غبي‭.. ‬حيوان‭. ‬والحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬الرشيد‭ ‬هو‭ ‬حسن‭ ‬إنفاق‭ ‬الوقت‭ ‬فيما‭ ‬يفيد،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الجامعة‭ ‬تستحق‭ ‬اسمها‭ ‬فينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مفيد‭ ‬خارج‭ ‬قاعات‭ ‬المحاضرات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الفوائد‭ ‬التي‭ ‬يجنيها‭ ‬الطالب‭ ‬من‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬المحاضرات‭.‬

MENAFN19042026000055011008ID1111002514

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث