403
Sorry!!
Error! We're sorry, but the page you were looking for doesn't exist.
لإصلاح منظومة التأمين .. نحو هيكلة تُقلِّص الهدر وترسِّخ الكفاءة
(MENAFN- Al Watan)
قطاع التأمين في المملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد قطاع خدمي عادي؛ إذ هو ركيزةٌ استراتيجية تتقاطع فيها مصالح الأفراد والقطاع الخاص والخزينة العامة. غير أن تأمُّل المشهد التنظيمي الراهن يكشف عن تضخُّمٍ مؤسسي لافت؛ فثمة هيئةٌ للتأمين من جهة، ومجلسٌ للضمان الصحي التعاوني من جهة أخرى، وشركاتٌ تأمين تجمع في سقف واحد نشاطَي التأمين الصحي والتجاري.
هذا التشابكُ ليس مسألةً تنظيمية شكلية؛ بل مصدرُ هدرٍ مالي وإداري حقيقي، وحاجزٌ دون اتساق الرقابة وتوحيد المرجعية.
يطرح هذا المقال تصوُّرًا إصلاحيًا شاملًا يقوم على مبدأ التوحيد الهيكلي المدروس؛ بإدماج الجهات ذات الصلة تحت مظلة هيئة التأمين، وفصل نشاطات التأمين الصحي عن التجاري بصورة قانونية وإدارية واضحة، مع تحويل ميزانية الصحة الحكومية نحو كيان تأميني وطني يضمن الشمول والكفاءة.
ازدواجية الرقابة وتضارب الاختصاصات
تعمل هيئة التأمين ومجلس الضمان الصحي التعاوني في دوائر رقابية متوازية دون تنسيق منهجي واضح. فكل جهة تصدر أنظمة، وتحدد اشتراطات، وتفرض عقوبات، وتتابع شكاوى في مجال التأمين الصحي تحديدًا. وهذا يعني أن شركات التأمين الصحي تستنفد طاقةً إدارية مضاعفة في الامتثال لمعيارين منفصلين، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويُعقِّد بيئة الأعمال دون مبرر كافٍ.
اندماج التأمين الصحي والتجاري في كيان واحد
تمارس كثيرٌ من شركات التأمين في المملكة نشاطَي التأمين الصحي والتجاري تحت سقف شركة واحدة بإدارة موحَّدة وميزانية غير مُصنَّفة بوضوح. هذا التداخل يُفضي إلى مخاطر عدة:
أوَّلها تآكل الملاءة المالية المخصصة للمطالبات الصحية لصالح نشاطات تجارية، وثانيها تذبذب جودة الخدمة الصحية المقدَّمة للمؤمَّن عليهم، وثالثها عجز الجهات الرقابية عن تقييم أداء كل نشاط على حِدة بصورة دقيقة.
غياب كيان تأميني يستوعب ميزانية الصحة
تُدار ميزانية الصحة الحكومية الضخمة عبر آليات صرف تقليدية لا تتسم بكفاءة إدارة المخاطر الأكتوارية. في ظل غياب كيان تأميني وطني يستوعب هذه الأموال ويُحوِّلها إلى أقساط تأمينية منضبطة، تبقى الرقابة على الصرف رهينةً بالاعتمادات السنوية والمتغيرات السياسية بدلاً من المنطق التقني للتأمين الصحي.
ثالثًا: توحيد المرجعية: إلغاء مجلس الضمان وتعزيز هيئة التأمين
يستوجب التصوُّر المقترح إلغاء مجلس الضمان الصحي التعاوني كجهة مستقلة، وإنشاء إدارتَين متخصصتَين تندرجان ضمن هيئة التأمين:
إدارة التأمين الصحي: تتولى الإشراف على جميع شركات التأمين الصحي، وتُحدِّد معايير الملاءة المالية والباقات التأمينية الدنيا والحد الأعلى للأقساط، وتفصل في نزاعات المطالبات، وتُرسي متطلبات الإفصاح والشفافية.
إدارة التأمين التجاري: تتولى بالمقابل الإشراف على جميع منتجات التأمين التجاري كالتأمين على السيارات، والممتلكات، والمسؤولية، وغيرها بمعايير وأدوات رقابية مناسبة لطبيعة هذه المنتجات.
بهذا تغدو هيئة التأمين مرجعًا تنظيميًا موحَّدًا لكامل القطاع، تتوفر لديها رؤية شمولية على أداء السوق وسلامة شركاته، مع احتفاظها بتخصُّص إداري دقيق يناسب طبيعة كل نشاط.
تحويل ميزانية الصحة إلى شركة تأمين وطنية
يُقترح في إطار هذا التصوُّر إنشاء كيان تأميني وطني مستقل يُسمَّى:
((الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني))
تتلقى هذه الشركة الوطنية ميزانية الرعاية الصحية الحكومية المخصصة للمواطنين، وتُحوِّلها وِفق منطق أكتواري سليم إلى أقساط تأمينية تُغطي مجموعاتٍ مستهدَفة بحسب الاحتياج والمخاطر الصحية. وتخضع هذه الشركة لإشراف إدارة التأمين الصحي في هيئة التأمين، دون أن تتدخل وزارة الصحة في إدارتها التشغيلية اليومية. وبذلك تُحوَّل الرعاية الصحية الحكومية من نمط الصرف المباشر إلى نمط التأمين المنضبط، وهو تحوُّلٌ جوهري في منطق إدارة الموارد العامة.
تبقى وزارة الصحة محتفظةً باختصاصاتها السياساتية والتنظيمية كتحديد أولويات الصحة العامة والإشراف على المنشآت الصحية الحكومية لكنها تتحرر من عبء الإدارة المالية اليومية للتغطية التأمينية، وهو ما يُعيد تركيز جهودها نحو رسم السياسات وصون الجودة.
إلزام شركات التأمين بالفصل الهيكلي
يُشكِّل الفصل الهيكلي بين النشاطَين ركيزةً جوهرية في هذا التصوُّر. إذ يُلزَم كل مشغِّل يمارس نشاطَي التأمين الصحي والتجاري بتحويل هيكله إلى:
شركة قابضة: تمتلك شركتَين تشغيليتَين منفصلتَين من حيث رأس المال والترخيص والإدارة.
شركة تأمين صحي مرخَّصة: تندرج تحت إشراف إدارة التأمين الصحي في هيئة التأمين.
شركة تأمين تجاري مرخَّصة: تندرج تحت إشراف إدارة التأمين التجاري.
هذا الفصل يُحقق جملةً من المنافع الجوهرية: فهو يحمي أموال المؤمَّن عليهم صحيًا من أن تُوجَّه نحو تغطية مخاطر تجارية، ويُمكِّن الجهة الرقابية من قراءة المركز المالي لكل نشاط بصورة مستقلة، ويُيسِّر مقارنة الأداء ويُحفِّز المنافسة بين الشركات الصحية، فضلاً عن تسهيل مساءلة مجالس الإدارة عن قرارات كل نشاط على حِدة.
رابعًا: مكاسب الإصلاح ما الذي تكسبه المنظومة؟
على صعيد الكفاءة المالية
تقليص التأمين الصحي الحكومي من نمط الصرف المباشر إلى نمط التأمين المنضبط يفتح الباب أمام توفير مالي حقيقي؛ فإدارة المخاطر الأكتوارية تُمكِّن من التخطيط للمطالبات بدقة أعلى، والكشف المبكر عن التكاليف غير المبررة، وضبط الزيادة في الأقساط بما يتناسب مع تطور المعطيات الصحية للمؤمَّن عليهم. أما على المستوى المؤسسي، فإن إلغاء الازدواجية بين هيئة التأمين ومجلس الضمان يُقلِّص التكاليف التشغيلية للدولة، ويُطلق طاقات بشرية وموارد مالية يمكن توجيهها نحو تحسين جودة الرقابة.
على صعيد جودة الحوكمة
توحيد المرجعية التنظيمية يُعالج ظاهرة التحكيم التنظيمي، حيث تلجأ بعض الشركات إلى استغلال تباين اشتراطات الجهتَين الرقابيتَين. فضلًا عن ذلك، يُعزِّز الفصل الهيكلي بين التأمين الصحي والتجاري ثقافة الحوكمة في مجالس الإدارة، إذ يُصبح كل مدير ملزمًا بمتابعة أداء قطاع محدد بدلاً من التعامل مع هيكل هجين مُرهِق للمساءلة.
على صعيد تجربة المستفيد
المؤمَّن عليه صحيًا سواء من القطاع الخاص أو المشمول بالتأمين الوطني يتعامل مع جهة رقابية واحدة ذات اختصاص صحي واضح. كما أن وجود الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني يمنح المواطنين أداةً تأمينية فعلية تحمي حقوقهم ضمن عقد واضح الحقوق والالتزامات.
تحدِّيات التطبيق
لا يُنكر أصحاب التصوُّرات الإصلاحية الجريئة عادةً ما ينطوي عليه التغيير الهيكلي من تعقيدات. ولعل أبرز ما يُتوقَّع مواجهته في هذا المسار:
المقاومة المؤسسية: إن دمج مجلس الضمان في هيئة التأمين يعني إعادة توزيع الصلاحيات والهيمنة التنظيمية، وهو ما قد يُقابَل بمقاومة مؤسسية ويستدعي ذلك قرارات سياسية عليا واضحة وتسلسلاً زمنيًا محكمًا للإدماج.
تعقيد الفصل الهيكلي: إلزام الشركات القائمة بتحويل هياكلها إلى شركات قابضة ذات فرعَين قد يُشكِّل عبئًا قانونيًا وتمويليًا، لا سيما للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم. ويستلزم ذلك مرحلةَ انتقالية مدروسة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، مع تيسيرات تنظيمية مؤقتة.
بناء الكيان الوطني: إنشاء الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني يتطلب كفاءات أكتوارية متخصصة وبنية تقنية متطورة وإطارًا تشريعيًا خاصًا، إضافةً إلى بناء الثقة في أوساط المستفيدين الحكوميين الذين اعتادوا نمطًا مختلفًا من تلقي الخدمة.
هذه التحديات لا تُفنِّد صحة التصوُّر، بل تستدعي نضجًا في التطبيق وتدرُّجًا في التنفيذ. فالإصلاحات الهيكلية الكبرى لا تُقاس بعدد السنوات التي تستغرقها، بل بعمق التحوُّل الذي تُحدثه.
التصوُّر ورؤية 2030 انسجامٌ لا تعارض
تنسجم هذه الرؤية الإصلاحية بعمق مع مرتكزات رؤية المملكة 2030، إذ إن رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتقليص الهدر المالي يقعان في صميم أهداف التحوُّل الاقتصادي. كما أن تطوير القطاع المالي وتعزيز الشمول التأميني من الأهداف الصريحة للرؤية. أما تحويل دور الدولة من مزوِّد مباشر للخدمات إلى ميسِّرٍ وضابط لأداء القطاع الخاص، فهو التعبير الأكثر مباشرةً عما تطمح إليه رؤية 2030 في قطاع الرعاية الصحية.
ويُضاف إلى ذلك أن تأسيس شركة وطنية للتأمين الصحي التعاوني يُشكِّل قفزةً نوعية نحو استدامة تمويل الرعاية الصحية في ضوء التحولات الديموجرافية المتوقعة، من ارتفاع نسبة المسنِّين وتصاعد أعباء الأمراض المزمنة غير المعدية، وهي تحديات لا تستطيع أن تعتمد على نمط الإنفاق الحكومي التقليدي لمجابهتها.
هيكلةٌ جديدة لعقدٍ اجتماعي جديد
حين تشتبك الصلاحيات وتتعدد المرجعيات وتتداخل الاختصاصات، لا يُعاني القطاع وحده، بل يُعاني المواطن أولًا. فهو الذي يدفع ثمن الهدر في الأقساط الباهظة، وفي المطالبات المؤجَّلة، وفي المنظومة التي تفتقر إلى روح المساءلة.
التصوُّر الذي طُرح في هذه الصفحات ليس ترفًا فكريًا؛ بل استجابةٌ لسؤال مشروع: لماذا ندفع أكثر ونحصل على أقل؟ والإجابة، في جوهرها، تبدأ من إعادة رسم الحدود المؤسسية بشجاعة، وتوحيد مراكز القرار بحكمة، وتحويل المال العام من ميزانية صرف إلى ميزانية استثمار في صحة الإنسان.
الهيئة الموحَّدة ليست هدفًا في ذاتها؛ هي أداةٌ لغايةٍ أسمى: منظومةٌ تأمينية شفافة وعادلة ومستدامة، تحترم عقل المواطن وتصون حقوقه وتُرشِّد أموال الحكومة.
هذا التشابكُ ليس مسألةً تنظيمية شكلية؛ بل مصدرُ هدرٍ مالي وإداري حقيقي، وحاجزٌ دون اتساق الرقابة وتوحيد المرجعية.
يطرح هذا المقال تصوُّرًا إصلاحيًا شاملًا يقوم على مبدأ التوحيد الهيكلي المدروس؛ بإدماج الجهات ذات الصلة تحت مظلة هيئة التأمين، وفصل نشاطات التأمين الصحي عن التجاري بصورة قانونية وإدارية واضحة، مع تحويل ميزانية الصحة الحكومية نحو كيان تأميني وطني يضمن الشمول والكفاءة.
ازدواجية الرقابة وتضارب الاختصاصات
تعمل هيئة التأمين ومجلس الضمان الصحي التعاوني في دوائر رقابية متوازية دون تنسيق منهجي واضح. فكل جهة تصدر أنظمة، وتحدد اشتراطات، وتفرض عقوبات، وتتابع شكاوى في مجال التأمين الصحي تحديدًا. وهذا يعني أن شركات التأمين الصحي تستنفد طاقةً إدارية مضاعفة في الامتثال لمعيارين منفصلين، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويُعقِّد بيئة الأعمال دون مبرر كافٍ.
اندماج التأمين الصحي والتجاري في كيان واحد
تمارس كثيرٌ من شركات التأمين في المملكة نشاطَي التأمين الصحي والتجاري تحت سقف شركة واحدة بإدارة موحَّدة وميزانية غير مُصنَّفة بوضوح. هذا التداخل يُفضي إلى مخاطر عدة:
أوَّلها تآكل الملاءة المالية المخصصة للمطالبات الصحية لصالح نشاطات تجارية، وثانيها تذبذب جودة الخدمة الصحية المقدَّمة للمؤمَّن عليهم، وثالثها عجز الجهات الرقابية عن تقييم أداء كل نشاط على حِدة بصورة دقيقة.
غياب كيان تأميني يستوعب ميزانية الصحة
تُدار ميزانية الصحة الحكومية الضخمة عبر آليات صرف تقليدية لا تتسم بكفاءة إدارة المخاطر الأكتوارية. في ظل غياب كيان تأميني وطني يستوعب هذه الأموال ويُحوِّلها إلى أقساط تأمينية منضبطة، تبقى الرقابة على الصرف رهينةً بالاعتمادات السنوية والمتغيرات السياسية بدلاً من المنطق التقني للتأمين الصحي.
ثالثًا: توحيد المرجعية: إلغاء مجلس الضمان وتعزيز هيئة التأمين
يستوجب التصوُّر المقترح إلغاء مجلس الضمان الصحي التعاوني كجهة مستقلة، وإنشاء إدارتَين متخصصتَين تندرجان ضمن هيئة التأمين:
إدارة التأمين الصحي: تتولى الإشراف على جميع شركات التأمين الصحي، وتُحدِّد معايير الملاءة المالية والباقات التأمينية الدنيا والحد الأعلى للأقساط، وتفصل في نزاعات المطالبات، وتُرسي متطلبات الإفصاح والشفافية.
إدارة التأمين التجاري: تتولى بالمقابل الإشراف على جميع منتجات التأمين التجاري كالتأمين على السيارات، والممتلكات، والمسؤولية، وغيرها بمعايير وأدوات رقابية مناسبة لطبيعة هذه المنتجات.
بهذا تغدو هيئة التأمين مرجعًا تنظيميًا موحَّدًا لكامل القطاع، تتوفر لديها رؤية شمولية على أداء السوق وسلامة شركاته، مع احتفاظها بتخصُّص إداري دقيق يناسب طبيعة كل نشاط.
تحويل ميزانية الصحة إلى شركة تأمين وطنية
يُقترح في إطار هذا التصوُّر إنشاء كيان تأميني وطني مستقل يُسمَّى:
((الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني))
تتلقى هذه الشركة الوطنية ميزانية الرعاية الصحية الحكومية المخصصة للمواطنين، وتُحوِّلها وِفق منطق أكتواري سليم إلى أقساط تأمينية تُغطي مجموعاتٍ مستهدَفة بحسب الاحتياج والمخاطر الصحية. وتخضع هذه الشركة لإشراف إدارة التأمين الصحي في هيئة التأمين، دون أن تتدخل وزارة الصحة في إدارتها التشغيلية اليومية. وبذلك تُحوَّل الرعاية الصحية الحكومية من نمط الصرف المباشر إلى نمط التأمين المنضبط، وهو تحوُّلٌ جوهري في منطق إدارة الموارد العامة.
تبقى وزارة الصحة محتفظةً باختصاصاتها السياساتية والتنظيمية كتحديد أولويات الصحة العامة والإشراف على المنشآت الصحية الحكومية لكنها تتحرر من عبء الإدارة المالية اليومية للتغطية التأمينية، وهو ما يُعيد تركيز جهودها نحو رسم السياسات وصون الجودة.
إلزام شركات التأمين بالفصل الهيكلي
يُشكِّل الفصل الهيكلي بين النشاطَين ركيزةً جوهرية في هذا التصوُّر. إذ يُلزَم كل مشغِّل يمارس نشاطَي التأمين الصحي والتجاري بتحويل هيكله إلى:
شركة قابضة: تمتلك شركتَين تشغيليتَين منفصلتَين من حيث رأس المال والترخيص والإدارة.
شركة تأمين صحي مرخَّصة: تندرج تحت إشراف إدارة التأمين الصحي في هيئة التأمين.
شركة تأمين تجاري مرخَّصة: تندرج تحت إشراف إدارة التأمين التجاري.
هذا الفصل يُحقق جملةً من المنافع الجوهرية: فهو يحمي أموال المؤمَّن عليهم صحيًا من أن تُوجَّه نحو تغطية مخاطر تجارية، ويُمكِّن الجهة الرقابية من قراءة المركز المالي لكل نشاط بصورة مستقلة، ويُيسِّر مقارنة الأداء ويُحفِّز المنافسة بين الشركات الصحية، فضلاً عن تسهيل مساءلة مجالس الإدارة عن قرارات كل نشاط على حِدة.
رابعًا: مكاسب الإصلاح ما الذي تكسبه المنظومة؟
على صعيد الكفاءة المالية
تقليص التأمين الصحي الحكومي من نمط الصرف المباشر إلى نمط التأمين المنضبط يفتح الباب أمام توفير مالي حقيقي؛ فإدارة المخاطر الأكتوارية تُمكِّن من التخطيط للمطالبات بدقة أعلى، والكشف المبكر عن التكاليف غير المبررة، وضبط الزيادة في الأقساط بما يتناسب مع تطور المعطيات الصحية للمؤمَّن عليهم. أما على المستوى المؤسسي، فإن إلغاء الازدواجية بين هيئة التأمين ومجلس الضمان يُقلِّص التكاليف التشغيلية للدولة، ويُطلق طاقات بشرية وموارد مالية يمكن توجيهها نحو تحسين جودة الرقابة.
على صعيد جودة الحوكمة
توحيد المرجعية التنظيمية يُعالج ظاهرة التحكيم التنظيمي، حيث تلجأ بعض الشركات إلى استغلال تباين اشتراطات الجهتَين الرقابيتَين. فضلًا عن ذلك، يُعزِّز الفصل الهيكلي بين التأمين الصحي والتجاري ثقافة الحوكمة في مجالس الإدارة، إذ يُصبح كل مدير ملزمًا بمتابعة أداء قطاع محدد بدلاً من التعامل مع هيكل هجين مُرهِق للمساءلة.
على صعيد تجربة المستفيد
المؤمَّن عليه صحيًا سواء من القطاع الخاص أو المشمول بالتأمين الوطني يتعامل مع جهة رقابية واحدة ذات اختصاص صحي واضح. كما أن وجود الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني يمنح المواطنين أداةً تأمينية فعلية تحمي حقوقهم ضمن عقد واضح الحقوق والالتزامات.
تحدِّيات التطبيق
لا يُنكر أصحاب التصوُّرات الإصلاحية الجريئة عادةً ما ينطوي عليه التغيير الهيكلي من تعقيدات. ولعل أبرز ما يُتوقَّع مواجهته في هذا المسار:
المقاومة المؤسسية: إن دمج مجلس الضمان في هيئة التأمين يعني إعادة توزيع الصلاحيات والهيمنة التنظيمية، وهو ما قد يُقابَل بمقاومة مؤسسية ويستدعي ذلك قرارات سياسية عليا واضحة وتسلسلاً زمنيًا محكمًا للإدماج.
تعقيد الفصل الهيكلي: إلزام الشركات القائمة بتحويل هياكلها إلى شركات قابضة ذات فرعَين قد يُشكِّل عبئًا قانونيًا وتمويليًا، لا سيما للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم. ويستلزم ذلك مرحلةَ انتقالية مدروسة تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، مع تيسيرات تنظيمية مؤقتة.
بناء الكيان الوطني: إنشاء الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني يتطلب كفاءات أكتوارية متخصصة وبنية تقنية متطورة وإطارًا تشريعيًا خاصًا، إضافةً إلى بناء الثقة في أوساط المستفيدين الحكوميين الذين اعتادوا نمطًا مختلفًا من تلقي الخدمة.
هذه التحديات لا تُفنِّد صحة التصوُّر، بل تستدعي نضجًا في التطبيق وتدرُّجًا في التنفيذ. فالإصلاحات الهيكلية الكبرى لا تُقاس بعدد السنوات التي تستغرقها، بل بعمق التحوُّل الذي تُحدثه.
التصوُّر ورؤية 2030 انسجامٌ لا تعارض
تنسجم هذه الرؤية الإصلاحية بعمق مع مرتكزات رؤية المملكة 2030، إذ إن رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتقليص الهدر المالي يقعان في صميم أهداف التحوُّل الاقتصادي. كما أن تطوير القطاع المالي وتعزيز الشمول التأميني من الأهداف الصريحة للرؤية. أما تحويل دور الدولة من مزوِّد مباشر للخدمات إلى ميسِّرٍ وضابط لأداء القطاع الخاص، فهو التعبير الأكثر مباشرةً عما تطمح إليه رؤية 2030 في قطاع الرعاية الصحية.
ويُضاف إلى ذلك أن تأسيس شركة وطنية للتأمين الصحي التعاوني يُشكِّل قفزةً نوعية نحو استدامة تمويل الرعاية الصحية في ضوء التحولات الديموجرافية المتوقعة، من ارتفاع نسبة المسنِّين وتصاعد أعباء الأمراض المزمنة غير المعدية، وهي تحديات لا تستطيع أن تعتمد على نمط الإنفاق الحكومي التقليدي لمجابهتها.
هيكلةٌ جديدة لعقدٍ اجتماعي جديد
حين تشتبك الصلاحيات وتتعدد المرجعيات وتتداخل الاختصاصات، لا يُعاني القطاع وحده، بل يُعاني المواطن أولًا. فهو الذي يدفع ثمن الهدر في الأقساط الباهظة، وفي المطالبات المؤجَّلة، وفي المنظومة التي تفتقر إلى روح المساءلة.
التصوُّر الذي طُرح في هذه الصفحات ليس ترفًا فكريًا؛ بل استجابةٌ لسؤال مشروع: لماذا ندفع أكثر ونحصل على أقل؟ والإجابة، في جوهرها، تبدأ من إعادة رسم الحدود المؤسسية بشجاعة، وتوحيد مراكز القرار بحكمة، وتحويل المال العام من ميزانية صرف إلى ميزانية استثمار في صحة الإنسان.
الهيئة الموحَّدة ليست هدفًا في ذاتها؛ هي أداةٌ لغايةٍ أسمى: منظومةٌ تأمينية شفافة وعادلة ومستدامة، تحترم عقل المواطن وتصون حقوقه وتُرشِّد أموال الحكومة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment