حين كانت القرية تكبر في قلوبنا قبل أن تكبر في العمران

(MENAFN- Al Watan) في جنوب المملكة العربية السعودية، حيث تتعانق الجبال مع الغيم، وتغتسل القرى بندى الفجر، تمتد منطقة عسير كلوحةٍ طبيعية نادرة، تتوسطها مدينة أبها، التي لم تكن يومًا مجرد مدينة بل ذاكرة حيّة تتنفس في صدور أهلها، عرفت أبها التحوّل بهدوء الجبال: من شبه قرى متقاربة البيوت محدودة الخدمات متسعة القلوب إلى مدينة حضارية متنامية، تتقدم في العمران والبنية والتخطيط. لكن رمضان فيها ظلّ ثابت الروح لا يتغير مهما تغيّر شكل الحياة. لا زلت أتذكّر في أواخر الستينيات الهجرية، انتقلتُ مع الوالد الشيخ العالم محمد بن عبدالوهاب آل الشيخ -رحمه الله وغفر له- من مكة المكرمة إلى أبها، مثله مثل الكثير للعمل، من نجد والقصيم ومناطق عدّة، كان الانتقال من قدسية المكان إلى سكون الجبل، لكنه حقيقة لم يكن غربة بل بداية حكاية جديدة، كنا صغارًا.. لكن ذاكرتنا كانت تلتقط التفاصيل كما لو أنها تعلم أننا سنعود إليها يومًا بالكلمات. لم تكن هناك وسائل اتصال ولا رسائل عاجلة تعلن دخول الشهر، كنا ننتظر إعلان رمضان بـ(إطلاق المدافع ) فيرتجف الجبل للصوت وترتجف معه القلوب فرحًا بإطلالة شهر رمضان المبارك.
كان ذلك الصوت بمثابة بشارة سماوية، يتبادل الناس بعدها التهاني قبل أن يتبادلوا الأخبار. ومن إعلانه تبدأ صلاة التراويح كما أتذكّر في مسجد برزان، وبعد ذلك في المسجد الكبير برأس الملّح، كان مشهدًا لا يُنسى، خطوات قصيرة نحو المسجد، وقلوب ممتلئة بخشوع طويل. لم يكن المسجد يتسع للجدران فقط، بل يتسع للعلاقات، للسلام، للمصافحة التي تمتد بعد الصلاة، دقائق لا يشعر بها أحد.
أما أول أيام الإفطار فكانت دهشة الطفولة بعينها. كنا ننتظر السمبوسة ولقمة القاضي، وأكلات لا تظهر إلا في رمضان، كأنها ضيوف كرام لا يزوروننا إلا في هذا الشهر، وكان الانتظار بحد ذاته طقسًا من طقوس الفرح. بعد العصر، تبدأ الحياة في ساحة سوق أبها، روائح الحنيذ تتصاعد، وصوت الباعة يملأ المكان حيوية (العم فايع) -رحمه الله وغفر الله له - كان عنوانًا للحنيذ المتخصص. ومعه باعة الحلويات الذين يعرفون الأطفال كما يعرفون بضاعتهم،
كنت أقف أمام البسبوسة وأنا صائم أتأملها طويلاً، أبحث في لحظتها عن الأربعة قروش فسحة ذلك اليوم، ثم أشتري قطعة صغيرة يلفّها البائع لي في ورق مقتطع من أكياس الأسمنت! لم يكن في الأمر غرابة، بل بساطة زمنٍ لا يعرف التعقيد، وكانت تلك القطعة تساوي في عين الطفل كنزًا كاملاً.. يتناوله إن تذكّره بعد الفطور، ثم تبدأ أجمل العادات الرمضانية بتداول الإفطار بين أهل الوالد -رحمه الله- وجيرانه في حيّ البديع والرّبوع ومناظر نصل للقرى والقابل بل وأبعد ذلك لليمانيّة.
موائد تتنقّل يوميًا بين البيوت، وأطباق تعبر الأزقة قبل أن تبرد، حتى جيران المكان كلّ عائلة ترسل من فطورها لجيرانها من العائلات. وأتذكر من الأسماء التي يتم تداول الإفطار عندها: الشيخ عبدالله الوابل، الشيخ ناصر الراشد، والأخوان إبراهيم وصالح القبيسي، والمطرفي، والزامل، والإسكندراني، والحيلي، وغيرهم كثير ممّن وفد إلى أبها، إنها أسماء محفورة في القلب قبل الذاكرة: الشيخ إبراهيم الحديثي، الشيخ عبدالله العواد، وعيسى المشاري. أعيان وأسماء لهم -رحمهم الله- كل التقدير والذّكرى الغالية. لم تكن العلاقة علاقة جيرة فحسب.. بل كانت أسرة كبيرة يتقاسم أفرادها اللقمة والدعاء.
رمضان في جنوب المملكة له نكهته الخاصة، نسيم المساء باردٌ لطيف، والضباب أحيانًا يهبط كأنه يشارك الناس إفطارهم، وصوت المطر إن حضر يضفي على اللحظة خشوعًا إضافيًا، لا صخب، لا ازدحام، بل هدوء يليق بالشهر الكريم. واليوم، كبرت أبها في عمرانها واتسعت طرقها وتعددت أحياؤها، وأصبحت مدينة حديثة بكل المقاييس، تغيرت وسائل الإعلان واختفت المدافع للإعلان والإفطار، وتطورت الأسواق، لكنّ شيئا واحداً لم يتغير.. روح رمضان، تلك الروح التي كانت تجمع الناس حول بساطة العيش وصدق المشاعر، رمضان في أبها علّمنا أن القرى لا تكبر بالحجر أولاً.. بل تكبر بالمحبة، وأن المدن الحقيقية هي التي تحفظ ذاكرتها مهما تبدّل شكلها.
رحم الله والدي ومن فقدناه من الأسماء، وأمدّ في عمر الأحياء ومن نسيت منهم، ورحم من شاركونا تلك الأيام، وجعل ما قدموه من خير في موازين حسناتهم. وحفظ الله أبها البهية وأدام على عسير وأميرها ونائبه وأهلها دفء القلوب قبل دفء البيوت. وكلما أقبل رمضان عدنا أطفالاً، ولو لوهلة، ننتظر صوت المدفع من جديد.

MENAFN28022026000089011017ID1110803125

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

آخر الأخبار

البحث