نقل الكلام والعلاقات المسمومة: قراءة نفسية اجتماعية في واقع الاتصال المجتمعي بقلم: د. لؤي زعول،
التواصل الاجتماعي الفعّال هو حجر الأساس لبناء المجتمعات الصحية، إذ تقوم العلاقات الإنسانية على الثقة والاحترام المتبادل والوضوح والقدرة على إدارة الخلاف بأساليب ناضجة. ومع ذلك، يتعرض هذا البناء للتآكل بفعل ممارسات تبدو عفوية أحيانًا لكنها تحمل آثارًا مدمرة، من أبرزها نقل الكلام، الذي يتحول تدريجيًا إلى علاقات مسمومة، حيث تصبح الكلمة أداة ضغط بدلاً من وسيلة للتقارب والتفاهم.
من منظور علم النفس الاجتماعي والعملي، يُنظر إلى نقل الكلام كسلوك جماعي تفاعلي يلجأ إليه الأفراد أحيانًا لتعزيز شعورهم بالانتماء أو لتخفيف الضغط النفسي، لكنه يخلق صورًا ذهنية مشوهة عن الآخرين، ويزرع الشك، ويضعف الثقة المتبادلة، مما يحوّل العلاقات الطبيعية إلى علاقات قائمة على الحذر وسوء الظن. وفي البيئات ذات الضغوط المركّبة، مثل ضغوط الاحتلال أو الأزمات الاقتصادية، تتضاعف خطورة هذا السلوك، حيث يزداد تأثير الكلمة على الأفراد وتصبح العلاقات أكثر هشاشة.
ترتبط ظاهرة نقل الكلام بدوافع نفسية متعددة، منها الحاجة للشعور بالأهمية، أو التنفيس عن التوتر، أو محاولة السيطرة على المشهد الاجتماعي، أو البحث عن الاعتراف الاجتماعي. ومع غياب مهارات التواصل المباشر، يصبح نقل الكلام وسيلة غير واعية لإدارة المشاعر، لكنه يولّد أذى نفسي واجتماعي مستمر، ويُنتج علاقات مسمومة داخل الأسرة، والمدرسة، وبيئات العمل.
تكمن خطورة نقل الكلام في أنه يُنشئ علاقات مبنية على الانطباعات المسبقة، ويُضعف قدرة الفرد على الحكم المباشر، ويحوّل الحوار المباشر إلى استثارة للريبة. وتشير الأبحاث إلى أن الإنسان يميل إلى تصديق المعلومات المنقولة أكثر من الخبرة المباشرة، خاصة في البيئات الضاغطة، مما يجعل تأثير نقل الكلام أسرع وأعمق.
تتضح هذه الظاهرة في بيئات العمل والمؤسسات، حيث يؤدي تداول الأحاديث الجانبية إلى تآكل روح الفريق، وخلق صراعات خفية، وتراجع الشعور بالأمان النفسي والتنظيمي. من منظور تربوي، فإن المؤسسات التي تفتقر إلى ثقافة حوار واضحة وآليات لإدارة الخلاف تشجع بشكل غير مباشر على انتشار العلاقات السامة. ولا يمكن فصل نقل الكلام عن سياق التنشئة الاجتماعية، فهو سلوك مكتسب يتشكل منذ الطفولة عبر الأسرة والمدرسة والمجتمع. وعندما لا تُغرس قيم ضبط اللسان واحترام الخصوصية وتحمل المسؤولية الأخلاقية للكلمة، يتحول السلوك إلى عادة مقبولة اجتماعيًا رغم أنه يولّد علاقات مسمومة ويضعف التواصل المجتمعي. وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من تعقيد الظاهرة، حيث أصبح نقل الكلام أسرع وأوسع، وأقل خضوعًا للمساءلة، ما زاد من تطبيع العلاقات المسمومة وتراجع الإحساس بأثر الكلمة النفسي وزيادة هشاشة الروابط الاجتماعية.
التخلي عن عادة نقل الكلام ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة نفسية واجتماعية لبناء علاقات صحية وحماية الذات والمجتمع معًا، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))، و((لا تُبلِّغوني عن أحدٍ من أصحابي شيئًا، فإني أُحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر))، وهو توجيه أخلاقي ونفسي بالغ الأهمية يؤكد حق الإنسان في التعامل مع الآخرين دون تشويه أو أحكام مسبقة مفروضة عبر نقل الكلام.
من هذا المنطلق، فإن تجنب نقل الأحاديث السلبية وعدم الانخراط في ترويج الإشاعات يُعد سلوكًا وقائيًا يحفظ العلاقات الإنسانية، سواء بين الموظفين أو الفرق العاملة أو داخل الأسرة أو بين الجيران والأقارب. الأفراد يتأثرون بالكلمات، وتتعمق في ذاكرتهم الجراح اللفظية والإساءات المعنوية، ولا أحد يرغب أن يُمسّ كيانه أو سمعته أو مكانته الاجتماعية. القاعدة الأخلاقية البسيطة التي تقول:“ما لا تحبه لنفسك، لا ترضاه لغيرك”، تشكّل أساسًا ناضجًا للاتصال السليم. كما يسعى كل فرد لإظهار صورته الإيجابية أمام ذاته والمجتمع، فإن الآخرين لهم الحق في هذه الصورة دون تشويه أو إسقاطات سلبية.
الأشخاص الذين يرغبون في التواصل مع الآخرين ويحبون أن يخرجوا لأصدقائهم سليم الصدر، هم نموذج عملي لتطبيق هذه القيم النفسية والاجتماعية. التحكم بالكلمة والنية الطيبة يضمن أن تكون العلاقات صحية، ويحد من التوتر والمشكلات التي يولّدها نقل الكلام، ويساهم في بناء مجتمع أكثر ثقة وتماسكًا، ويحقق السلام النفسي والاجتماعي للفرد والمجتمع معًا. وكلما تحرر الاتصال المجتمعي من نقل الكلام، اقترب المجتمع أكثر من علاقات سليمة قائمة على الثقة والاحترام والتفاهم، وهو الهدف الأساسي لأي تربية نفسية واجتماعية سليمة.
الكاتب د. لؤي زعول حاصل على دكتوراه في علم النفس الاجتماعي والعملي
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment