تاريخ مكة.. على القلب

(MENAFN- Al Watan) ليست مكة المكرمة مدينة تُروى حكايتها بالكلمات وحدها، بل تُستشعر قبل أن تُكتب، وتُحس قبل أن تُؤرّخ، هي المكان الذي تتقاطع فيه الذاكرة الإنسانية مع الوحي، وتتماهى فيه الجغرافيا مع العقيدة، حتى يصبح الحجر شاهداً، والزمان راوياً، والروح مستمعة بخشوع، منذ أن رفع إبراهيم -عليه السلام- القواعد من البيت، ومكة تنبض بتاريخ لا يشيخ، وتحتفظ في جنباتها بأثر كل من مرّ بها حاجًا أو معتمراً أو محباً.
يمتد العمق التاريخي لمكة المكرمة إلى ما قبل التدوين، حيث تشكّلت هويتها الأولى بوصفها مركزاً روحياً وإنسانياً فريدا، لم تكن مكة مجرد محطة قوافل، بل كانت نقطة التقاء الحضارات، وملتقى اللغات، وساحة للتبادل الثقافي والاجتماعي، في أزقتها القديمة تشكلت ملامح المجتمع المكي، وفي جبالها وسهولها كُتبت فصول من تاريخ الإسلام والإنسانية معًا.
المواقع التاريخية في مكة ليست آثاراً صامتة، بل شواهد حية على تحولات كبرى: من دار الأرقم التي احتضنت البدايات الأولى للدعوة، إلى مشاعر الحج، التي ما زالت تؤدي دورها الروحي والإنساني منذ قرون طويلة، كل موقع يحمل قصة، وكل قصة تضيف طبقة جديدة إلى عمق المدينة وفرادتها.
ومع تسارع التنمية وتغير أنماط العمران، تبرز الحاجة الملحّة إلى حماية هذا الإرث الفريد، ليس بوصفه ماضيًا منتهيًا، بل كرصيد حضاري حي يمكن توظيفه معرفيًا وثقافياً وإنسانياً، فالتراث المكي ليس حكراً على أهل مكة أو على جيل بعينه، بل هو ملك للإنسانية جمعاء، ومسؤولية الحفاظ عليه تقع على عاتق المؤسسات والأفراد معًا.
من هذا المنطلق، يأتي التعاون المؤسسي كخطوة إستراتيجية واعية، تعكس فهماً عميقاً لأهمية التوازن بين التطوير والحفاظ، وبين الحاضر المتسارع والجذور الضاربة في التاريخ.
في إطار هذا الوعي المشترك بالحفاظ على التراث، وقّع الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة التراث غير الربحية، مذكرة تفاهم مع، المهندس صالح بن إبراهيم الرشيد، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
وتهدف المذكرة، التي وُقّعت يوم الأحد 18 يناير 2026م، إلى تفعيل المواقع التاريخية والتراثية في مكة المكرمة، وإعداد دراسات متخصصة تُبرز قيمتها الحضارية، وتنفيذ مبادرات مشتركة تسهم في إبراز العمق التاريخي للمدينة المقدسة.
كما تشمل مجالات التعاون بناء القدرات الوطنية، وإثراء المحتوى المعرفي، وإنشاء منصة رقمية موحدة لبيانات التراث، إضافة إلى إقامة فعاليات علمية وإطلاق برامج تدريبية مشتركة للتعريف بالمواقع التاريخية والتراثية.
إنشاء منصة رقمية موحدة لبيانات التراث المكي يمثل نقلة نوعية في توثيق التاريخ وإتاحته للأجيال القادمة، ويجعل من المعرفة التراثية مورداً مفتوحاً للباحثين والمهتمين، كما أن البرامج التدريبية والفعاليات العلمية تسهم في بناء وعي مجتمعي راسخ بأهمية المواقع التاريخية، وتحوّل الزائر من متلقٍ عابر إلى شاهد واعٍ ومشارك في حماية الذاكرة.
ستبقى مكة المكرمة أكبر من مدينة، وأعمق من تاريخ مكتوب، هي رسالة متجددة، كلما ظن الإنسان أنه أحاط بها، كشفت له بعداً جديداً من عظمتها، وحين تتكاتف الجهود لحماية تراثها، فإنما يُصان جزء من هوية العالم، ويُحفظ نبض ذاكرة لا تزال تنبض منذ آلاف السنين.
العناية بالعمق التاريخي لمكة المكرمة ليست ترفاً ثقافياً، بل واجب حضاري، ورسالة أمانة، وجسراً يربط بين قدسية الماضي، ومسؤولية الحاضر، وأمل المستقبل.
فشكراً لمؤسسة التراث غير الربحية، وشكراً للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، في مسار مذكرة التفاهم، حين يتكئ تاريخ مكة المكرمة على القلب.

MENAFN27012026000089011017ID1110658283

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث