الخوف من الظلام ومترادفاته

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej) اعترفت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بأنني‭ ‬كنت‭ ‬عميلا‭ ‬لبريطانيا،‭ ‬بس‭ ‬على‭ ‬المكشوف،‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬موظفا‭ ‬في‭ ‬سفارتها‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬وكنت‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬بث‭ ‬الدعاية‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬حكومة‭ ‬بريطانيا‭ ‬حنونة‭ ‬وشفوقة‭ ‬وطيبة‭ ‬وعلى‭ ‬نياتها،‭ ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تركت‭ ‬العمالة‭ ‬المباشرة‭ ‬لبريطانيا‭ ‬أدمنت‭ ‬الصحافة‭ ‬البريطانية،‭ ‬فأطالع‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬شبه‭ ‬منتظم‭ ‬ما‭ ‬تورده‭ ‬كبريات‭ ‬تلك‭ ‬الصحف‭ ‬عن‭ ‬أحوال‭ ‬العالم‭.‬

وشاركت‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬عبر‭ ‬الانترنت‭ ‬في‭ ‬استفتاء‭ ‬نظمته‭ ‬صحيفة‭ ‬تايمز‭ ‬اللندنية‭ ‬حول‭ ‬أهم‭ ‬المخترعات‭ ‬والاكتشافات‭ ‬العلمية‭ ‬البريطانية،‭ ‬وكانت‭ ‬الصحيفة‭ ‬قد‭ ‬حصرت‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬اكتشاف‭ ‬لقاح‭ ‬الجدري‭ ‬واختراع‭ ‬أول‭ ‬كمبيوتر،‭ ‬ودراجة‭ ‬روفر‭ ‬الشعبية،‭ ‬واكتشافات‭ ‬مايكل‭ ‬فاراداي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬توليد‭ ‬الكهرباء،‭ ‬ثم‭ ‬المصباح‭ ‬الكهربائي‭ ‬الذي‭ ‬طوره‭ ‬العالم‭ ‬الكيميائي‭ ‬البريطاني‭ ‬جوزيف‭ ‬سوان‭ (‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬نجح‭ ‬الأمريكان‭ ‬كعادتهم‭ ‬في‭ ‬البلطجة‭ ‬والسطو‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الآخرين،‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬العالم‭ ‬بان‭ ‬توماس‭ ‬أديسون‭ ‬هو‭ ‬مخترع‭ ‬المصباح‭ ‬الكهربائي‭). ‬بداهة‭ ‬فقد‭ ‬منحت‭ ‬صوتي‭ ‬للمصباح‭ ‬الكهربائي،‭ ‬لأنني‭ ‬أكره‭ ‬الظلام‭ ‬بمعناه‭ ‬الحرفي‭ ‬والمجازي،‭ ‬وأحب‭ ‬التنوير‭ ‬بمعناه‭ ‬الحرفي‭ ‬والمجازي‭. ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬بدين‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬السودان‭ ‬كان‭ ‬الظلام‭ ‬سميكا‭ ‬وكثيفا‭ ‬بحيث‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬إمكانك‭ ‬ان‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬ارض‭ ‬خلاء‭ ‬وظهرك‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الظلام‮»‬‭. ‬حتى‭ ‬مصباح‭ ‬الجاز‭ ‬الأبيض‭ ‬او‭ ‬الكيروسين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يضاء‭ ‬باستمرار‭ ‬ترشيدا‭ ‬للإنفاق،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬ضوءه‭ ‬يجذب‭ ‬العقارب‭. ‬وكانت‭ ‬أمهاتنا‭ ‬وجداتنا‭ ‬يفاقمن‭ ‬خوفنا‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬بحكاياتهن‭ ‬المرعبة‭ ‬عن‭ ‬الغول‭ ‬والجن،‭ ‬وكائنات‭ ‬مرعبة‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬الذرة‭. ‬وكما‭ ‬ذكرت‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬مقالاتي‭ ‬عن‭ ‬بلدتي‭ ‬بدين‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬السودان،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬حي‭ ‬فيها‭ ‬نقطة‭ ‬تجمع‭ ‬وقيادة‭ ‬مركزية‭ ‬للجن،‭ ‬يتولون‭ ‬قطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يمر‭ ‬بتلك‭ ‬النقاط،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬ظلام‭ ‬الأمية‭ ‬والجهل‭ ‬والخرافات‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتحالف‭ ‬مع‭ ‬ظلام‭ ‬الليل‭ ‬ليجعل‭ ‬نهارنا‭ ‬ليلا‭ ‬شديد‭ ‬الحلكة‭. ‬وكنا‭ ‬ونحن‭ ‬صغار‭ ‬نلعب‭ ‬في‭ ‬تلال‭ ‬رملية‭ ‬وكلما‭ ‬لمحنا‭ ‬وميض‭ ‬ضوء‭ ‬بعيد‭ ‬هربنا‭ ‬إلى‭ ‬بيوتنا‭ ‬لأننا‭ ‬كنا‭ ‬نحسب‭ ‬ان‭ ‬الجن‭ ‬يحاولون‭ ‬استدراجنا‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬الضوء،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬الاستنتاج‭ ‬منطقيا‭ ‬لأن‭ ‬مصابيح‭ ‬الجاز‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬أرق‭ ‬نسمة‭ ‬هواء‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬واردا‭ ‬ان‭ ‬واحدا‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الإنس‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬مصباحا‭ ‬يرسل‭ ‬وميضا‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬بُعد،‭ ‬وانتقلت‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الشوارع‭ ‬مضاءة‭ ‬وتستطيع‭ ‬ان‭ ‬تقهر‭ ‬الظلام‭ ‬بضغطة‭ ‬خفيفة‭ ‬على‭ ‬زر‭ ‬صغير‭. ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أنام‭ ‬إلا‭ ‬وبعض‭ ‬الضوء‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬أنام‭ ‬فيها‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بداخلي‭ ‬خوف‭ ‬طفولي‭ ‬من‭ ‬الظلام‭. ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬أقود‭ ‬سيارتي‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬ليست‭ ‬به‭ ‬إضاءة،‭ ‬أحس‭ ‬بضيق‭ ‬شديد‭ ‬رغم‭ ‬ان‭ ‬كشافات‭ ‬السيارة‭ ‬تعينني‭ ‬على‭ ‬استكشاف‭ ‬الطريق‭. ‬وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬الظلام‭ ‬ارتبط‭ ‬في‭ ‬مخيلتي‭ ‬بالخوف‭ ‬من‭ ‬المجهول،‭ ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تقدر‭ ‬حجم‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يعشش‭ ‬داخل‭ ‬آدمي‭ ‬عاش‭ ‬معظم‭ ‬سنوات‭ ‬حياته‭ ‬مظلوما،‭ ‬والظلم‭ ‬صنو‭ ‬الظلام،‭ ‬بل‭ ‬اعتقد‭ ‬أنه‭ ‬ككلمة‭ ‬مشتق‭ ‬من‭ ‬‮«‬الظلام‮»‬،‭ ‬ومعظم‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬أصابني‭ ‬كان‭ ‬مصدره‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬مناطا‭ ‬بها‭ ‬توفير‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬لي‭ ‬ولغيري‭. ‬يعني‭ ‬صار‭ ‬الظلام‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬مثل‭ ‬الأجهزة‭ ‬السرية‭ ‬مثل‭ ‬المباحث‭ ‬والمخابرات‭. ‬هي‭ ‬بالطبع‭ ‬تؤدي‭ ‬المهام‭ ‬الموكلة‭ ‬إليها‭ ‬بتصيد‭ ‬ومراقبة‭ ‬وكمش‭ ‬ومطاردة‭ ‬ومضايقة‭ ‬المشاغبين،‭ ‬واعترف‭ ‬بأنني‭ ‬كنت‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬مشاغبا‭ ‬من‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬فقد‭ ‬ابتلى‭ ‬الله‭ ‬السودان‭ ‬بحكومات‭ ‬منتخبة‭ ‬وديكتاتوريات‭ ‬عسكرية‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬‮«‬أنْيَل‮»‬‭ ‬من‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولم‭ ‬أحس‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬بأن‭ ‬أياً‭ ‬منها‭ ‬تمثلني‭ ‬أو‭ ‬معنية‭ ‬بأمري‭ ‬وأمور‭ ‬غيري‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭. ‬وهكذا‭ ‬نشأت‭ ‬معارضا‭ ‬‮«‬محترفا‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬انني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬قط‭ ‬معارضا‭ ‬من‭ ‬الوزن‭ ‬الثقيل‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أعرف‭ ‬ان‭ ‬لي‭ ‬ملفا‭ ‬محترما‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جهاز‭ ‬أمني،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أخاف‭ ‬ان‭ ‬يأتوني‭ ‬بعد‭ ‬هبوط‭ ‬الظلام‭ ‬ويضعوني‭ ‬في‭ ‬زنزانة‭ ‬ليست‭ ‬بها‭ ‬إضاءة‭. ‬ولكن‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أنني‭ ‬صرت‭ ‬مدركا‭ ‬وأنا‭ ‬أسير‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬مدن‭ ‬حسنة‭ ‬الإضاءة‭ ‬أنها‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬المعنوي،‭ ‬وهو‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬انعدام‭ ‬الضوء‭ ‬الطبيعي‭ ‬او‭ ‬الاصطناعي‭.‬

MENAFN23012026000055011008ID1110643104

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث