مانيفستو الموت الاجتماعي: كيف قتل المجتمع رجاء عليش قبل أن يقتل نفسه؟
بهذه المفارقة الوجودية المريرة، يفتتح الكاتب المصري رجاء عليش مجموعته القصصية ((لا تولد قبيحاً))، ليضعنا أمام سؤال فلسفي مركزي: هل يمكن للإنسان أن يموت دون أن يتوقف قلبه عن النبض؟ هذا الاقتباس ليس مجرد استعارة أدبية، بل هو تشخيص دقيق لحالة الموت الاجتماعي، حيث يُحرم الفرد من الاعتراف الإنساني الأساسي بوجوده، فيصبح شبحاً يتحرك بين الأحياء دون أن يُرى أو يُسمع.
المجموعة لا تقدم مجرد قصص، بل تتحول إلى مانيفستو (بيان فكري واضح وصريح) ضد آليات الإقصاء التي تمارسها المجتمعات على المختلفين، إنها وثيقة فلسفية عن القبح كمعيق وجودي ومجتمعي يحرم الإنسان من حقه الطبيعي في الحياة، وصرخة احتجاجية ضد الموت الاجتماعي الذي يسبق الموت الجسدي ويفوقه قسوة. يتجاوز عليش التناول السطحي للقبح كصفة جمالية، ليقدمه كمفهوم فلسفي معقد يرتبط بالاعتراف والتحقق الوجودي، حيث يرى أن القبح هو ((أفظع العاهات وأكثرها إيلاماً وتدميراً للنفس الإنسانية))، ليس لأنه يحد من القدرات الجسدية، بل لأنه يشكل حاجزاً شفافاً وغير مرئي يحول بين الفرد والاندماج في الحياة، هذا الحاجز ليس من صنع القبيح نفسه، بل من صنع الآخرين الذين يمارسون عليه ((الإذلال الدائم)) ويحرمونه من حقه في أن يعيش كإنسان عادي، الأمر الذي دفع عليش لأن يقول ((لقد اقتربت من القبح كما لم يقترب إنسان في هذا العالم)).
يكتب عليش: ((لقد اتفق الناس على أن يحققوا نتيجة مروعة في حياتي، أن يجمدوني في مكاني، فأنا واقف لا أتحرك خطوة واحدة إلى الأمام، لم أحب أو أعمل أو أتزوج أو أنجب أطفالاً، أشبه صخرة في محيط من الأمواج الصاخبة))، هذا التجميد الوجودي هو جوهر الموت الاجتماعي، بأن تكون حياً لكن محروم من كل ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.
تكشف المجموعة عن آليات الإقصاء الاجتماعي التي تحول القبح إلى حاجز زئبقي يعيق الحياة، حيث يصور عليش كيف أن ((الناس يعاقبون الإنسان القبيح على جريمة لم يرتكبها هو، بل ارتكبت في حقه))، في إشارة إلى العنف الرمزي الذي يمارسه المجتمع على المختلفين، وهذا العنف لا يتوقف عند السخرية والإهانة، بل يمتد ليشمل الحرمان من الحب والعمل والحياة الطبيعية.
وفي قصة ((القبيح والناس))، يُدفع بطل القصة إلى ارتكاب جريمة قتل نتيجة التنمر المستمر، في تجسيد مأساوي لكيف يمكن للعنف الاجتماعي أن يولد عنفاً مادياً، وفي قصة ((المنتحر))، يقدم عليش تحليلاً بارداً لعملية الانتحار كـ((عملية جراحية)) يخطط لها الإنسان بعناية لإنهاء ألمه، وهذه القصص ليست خيالاً محضاً، بل هي انعكاس مباشر لتجربة الكاتب نفسه الذي أنهى حياته بالطريقة ذاتها التي كتب عنها.
يطرح عليش سؤالاً فلسفياً حاداً: ((يقولون عن العالم رغم ذلك إنه عادل ورحيم وإن الناس بسطاء متسامحون))، ليكشف زيف الخطاب الأخلاقي الذي يبرر الظلم باسم العدالة الإلهية أو الطبيعية، فالآخرون يصبحون مصدر العذاب الوجودي للفرد، لا بسبب شر متعمد بالضرورة، بل بسبب نظراتهم وأحكامهم وصمتهم التي تسجن الفرد في صورة لا يستطيع الفكاك منها، يقول عليش واصفاً شعوره: ((أحسست بفظاعة الاكتشاف منذ لحظات الإدراك الأولى لحياتي، وضعت أناملي الرقيقة فوق جلد حيوان خرافي رهيب بعث الرعب في قلبي منذ اللحظة الأولى)).
ورغم أن عليش كتب مجموعته القصصية في السبعينيات، إلا أن صرخته لا تزال مدوية اليوم في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة الصورة، إذ أصبح الحكم على المظاهر أكثر شراسة، والتنمر الإلكتروني هو النسخة الرقمية من صفير السخرية الذي كان يلاحق عليش، لذلك، تبدو مجموعته اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، كتحذير من مجتمع يختزل الإنسان في صورته ويحرمه من عمقه الإنساني. وفي عام 1979، أطلق عليش الرصاصة على رأسه، تاركاً رسالة إلى النائب العام تقول: عشت هذه السنين الطويلة وأنا أحلم بالانتقام من أفراد المجتمع الذين أفلحوا في أن يجعلوني أكفر بكل شيء، فما عاناه عليش بمصر في السبعينيات يعانيه الملايين اليوم في كل مكان، حيث تحولت الشاشات إلى محاكم علنية تصدر أحكامها على الأجساد والوجوه دون رحمة.
((لا تولد قبيحاً)) ليست مجرد مجموعة قصصية، بل هي شهادة على عصر كامل من الإقصاء والعنف الرمزي، إنها وثيقة مكتوبة بدم القلب عن كيف يمكن للمجتمع أن يقتل إنساناً دون أن يلمسه، ومانيفستو ضد كل أشكال الموت الاجتماعي التي تمارس يومياً باسم المعايير والقيم. السؤال الذي يتركه عليش: كم إنساناً يُقتل يومياً دون أن يدري أحد؟، وكم شخصاً يموت أثناء حياته في المكاتب والمدارس والشوارع، بينما يمضي الجميع غافلين عن الجريمة الجماعية؟ هذا هو السؤال الذي يجعل من ((لا تولد قبيحاً)) وثيقة اتهام لا تسقط بالتقادم.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment