ذاكرة الجليد.. كنز من المعلومات للمساعدة في جهود مكافحة المناخ

(MENAFN- Al-Bayan) أنجانا أهوجا

يعدّ الجليد القديم أقرب ما يكون إلى مرجع مثالي للطبيعة، فطبقاته تتألف من قرون متراكمة من تساقط الثلوج، ضاغطة المسحوق الموجود تحته بشدة حتى يتحول إلى جليد، ويحفظ هذا الجليد المتراص معلومات عن الغلاف الجوي والمناخ، حيث يحبس فقاعات الهواء والملوثات والهباء الجوي والغبار في طبقاته، لكن هذه السجلات تذوب مع ارتفاع درجة حرارة العالم، ما يهدد بفقدان معلومات قيّمة، لذلك فقد افتتح العلماء كهفاً مصمماً خصيصاً لهذا الغرض في القارة القطبية الجنوبية لحفظ عينات من الأنهار الجليدية الجبلية.

وخلال الأسبوع الماضي تم حفظ أولى عينات اللب الجليدي، التي حفرت من مون بلان في فرنسا وغران كومبان في سويسرا، في نفق تحت الأرض بطول 35 متراً يسمى ((محمية ذاكرة الجليد)).

ويقدم هذا المشروع أملاً للمستقبل حتى في ظل تذبذب الإجماع السياسي حول جهود مكافحة تغير المناخ، كما يتم حفظ عينات الحمض النووي في القضايا الجنائية على أمل أن تكشف التقنيات الحديثة عن الجناة، فقد يتم فك شفرة أسرار هذه العينات الجليدية القديمة يوماً ما باستخدام تقنيات لم تكتشف بعد.

ويقع الكهف، الذي أنشأته مؤسسة ذاكرة الجليد، بالقرب من محطة كونكورديا الفرنسية الإيطالية في القارة القطبية الجنوبية، وتم إطلاق هذه المبادرة عام 2015 من قبل معاهد أوروبية عدة، من بينها المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ومعهد بول شيرر في سويسرا.

وسيوفر هذا الأرشيف الجوفي، بدرجة حرارة طبيعية تبلغ 52 درجة مئوية تحت الصفر، ملاذاً آمناً طويل الأمد للعينات الجليدية من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك جبال الأنديز والقوقاز، ووفقاً للمؤسسة تشارك 13 دولة - من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين - في بعثات الحفر.

يتزامن افتتاح المحمية مع عقد الأمم المتحدة الحالي للعمل من أجل علوم الغلاف الجليدي.

ويشير مصطلح الغلاف الجليدي إلى المناطق المتجمدة على كوكبنا: الأنهار الجليدية، والصفائح الجليدية، والثلوج، والتربة الصقيعية، ويهدف هذا الإعلان إلى دق ناقوس الخطر بشأن فقدان الغلاف الجليدي، وما له من آثار سلبية على المناخ، ومستوى سطح البحر، ومياه الشرب، والزراعة، والبيئة، فضلاً عن المجتمعات المحلية، وقالت آن كاثرين أولمان، مديرة المؤسسة: ((نحن الجيل الأخير القادر على التحرك)).

ولا تشارك هيئة المسح البريطانية لأنتاركتيكا في مشروع محمية ذاكرة الجليد، لكن متحدثاً باسمها صرح لصحيفة فاينانشال تايمز بأنها تدعم الفكرة.

وقالت إيمي كينغ، عالمة المناخ القديم في الهيئة، والعضو في اتحاد ((بيوند إبيكا)).. ((المشروع الأوروبي لحفر لب الجليد في أنتاركتيكا))، الذي حفر العام الماضي أقدم لب جليدي متصل في العالم: ((أعتقد شخصياً أنها فكرة رائعة)).

يهدف هذا الإعلان إلى دق ناقوس الخطر بشأن فقدان الغلاف الجليدي، وما يترتب عليه من آثار سلبية على المناخ، ومستوى سطح البحر، ومياه الشرب، والزراعة، والبيئة، فضلاً عن المجتمعات المحلية، وفي ظل ذوبان الجليد العالمي أكدت كينغ الأهمية الكبيرة لحماية العينات الآن، قائلة: ((تعد عينات الجليد فريدة من نوعها، لأنها الأرشيف الوحيد الذي يقدم لنا سجلاً مباشراً للغلاف الجوي، بما في ذلك فقاعات الهواء الموجودة في الجليد، دون الحاجة إلى استنتاجات أو استخدام مؤشرات بديلة))، وهذا ما يجعلها أكثر موثوقية من السجلات الطبيعية الأخرى، مثل حلقات الأشجار أو التخطيطات الموجودة على الأصداف البحرية.

ويتضمن تأريخ عينات الجليد لإعادة بناء المناخ الماضي مجموعة من التقنيات المختلفة: فحص طبقات الثلج العليا بحثاً عن نظائر الماء المتغيرة موسمياً؛ والبحث عن ((نقاط ربط)) تشير إلى طبقات محددة بأحداث تاريخية، مثل رواسب الرماد الناتجة عن الانفجارات البركانية؛ ومطابقة أنماط مركبات معينة مع سجلات مناخية أخرى؛ ونمذجة الصفائح الجليدية، التي تقدر كيفية تراكم الجليد عبر الزمن.

وكلما تم التعمق أكثر يوفر ذلك إمكانات أخرى، مثل قياس نظير الكريبتون - 81 المشع، الذي يبلغ عمر النصف له 229.000 سنة، لكن العمق لا يعادل بالضرورة عمر الجليد في القارة المتجمدة، ففي العام الماضي اكتشف باحثون أمريكيون جليداً عمره 6 ملايين سنة في شرق القارة القطبية الجنوبية، دفعه النشاط الجيولوجي نحو السطح.

وتجرى حالياً تحليلات في مختبرات أوروبية لقطع من لب الجليد ((بيوند إبيكا))، الذي يبلغ طوله حوالي 3 كيلو مترات، والذي يعتقد أنه يحتوي على سجل مناخي متواصل يمتد إلى 1.2 مليون سنة على الأقل، وبينما تتضمن بعض الطرق إذابة الجليد، تعتمد طرق أخرى على سحق أو طحن العينات داخل حجرة مفرغة من الهواء لمنع فقاعات الهواء من التفاعل عند إطلاقها، وهذا ليس علماً نظرياً بحتاً، فالنظر إلى الماضي قد يساعدنا على استشراف المستقبل.

وعلى مدى المليون سنة الماضية اتبعت حلقة ازدهار وانحسار الأنهار الجليدية دورة مدتها 100 ألف سنة؛ وقبل ذلك تشير السجلات إلى دورة مدتها 41 ألف سنة، وقد تكشف قراءة سجلات الجليد القديمة، كما تفعل إيمي كينغ وآخرون، كيف تفاعل المناخ مع هذا التحول الجذري.

في نهاية المطاف يغير السلوك البشري المناخ بسرعة، ولهذا السبب فإن جهوداً مثل محمية الذاكرة الجليدية مهمة للغاية، فمع ارتفاع درجة الحرارة العالمية وذوبان كتبنا المرجعية المناخية تتضاءل فرصنا في قراءة ما قد يأتي بعد ذلك.

MENAFN21012026000110011019ID1110632582

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث