الرسوم الجمركية الأمريكية تعزّز دور سويسرا كمركز لتجارة الذهب
كان الذهب المُكرَّر عنصرًا أساسيًّا في المفاوضات المؤدية إلى خفض الرسوم الجمركيّة الأمريكية على سويسرا، إلى 15%. ويقدّم هذا المقال لمحةً تفسيريّة عن كيفيّة نجاح سويسرا في فرض هيمنتها على هذا القطاع الحيوي. تم نشر هذا المحتوى على 07 يناير 2026 - 08:15 21دقائق
-
مقالات أخرى للكاتب
-
English
en
US tariff negotiations reaffirm Switzerland's role as a gold hub
الأصلي
طالع المزيدUS tariff negotiations reaffirm Switzerland's role as a gol
Русский
ru
Тарифная сделка с США и роль Швейцарии на рынке золота
طالع المزيدТарифная сделка с США и роль Швейцарии на рынке з
يصعب على المرءِ، مهما أوغَلَ بخيالهِ في أبعدِ احتمالاتِ التصوّر، استيعابُ الحجم الهائل والقيمة الباهظة للذهب المتدفّق إلى سويسرا كلَّ عام.
ففي عام 2023، استوردت سويسرا قُرابةَ 2،372 طنًّا من الذهب، بقيمةٍ بلغت 91 مليار فرنك سويسريّ (114 مليار دولار)، بينما صدَّرت 1،564 طنًّا بقيمة 88 مليار فرنك. وذلك وفقًا لبيانات الإدارة الفدراليّة للجمارك.
وتؤكّد هذه التدفقات الضخمة استمرار دور سويسرا، كأكبرِ مستورد للذهب ومصدّر له، من حيث القيمة الماليّة الإجماليّة.
ووفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكيّة (USGS)، يقف الإنتاج العالمي للذهب المستخرج حديثًا عند ما يزيد قليلًا عن 3،300 طن سنويًا. وتكرر سويسرا نحو ثُلث هذا الذهب المُستخرج حديثًا من المناجم، أي الذهب الجديد الداخل إلى السوق، إضافةً إلى كميّات ضخمة من المُعاد تدويره والمعدّ للاستثمار.
وعند احتساب كميّات الذهب، المُعاد تدويره والقادم من القطاع غير الرسمي، يتبيّن أنّ نسبةً كبيرةً من الإمدادات العالميّة من الذهب المُكرَّر لا تزال تمر عبر سويسرا، مع تقديراتٍ تتراوح بين ثُلث الإنتاج العالمي ونصفه، بحسب ظروف السوق الدوليّة.
وفي عام 2012، قدّر فريدريك بانيسوتّي، المتحدث باسم شركة“إم كي إس سويسرا” (MKS Switzerland SA)، تكرير الكنفدرالية نحو 70% من ذهب العالم. ورغم تنوُّع صناعة التكرير العالميّة وتوزّعها جغرافيًّا أكثر اليوم، لا تزال سويسرا تحتضن بعضًا من أهم المنشآت وأكثرها تأثيرًا في هذا القطاع.
محتويات خارجية معظم المصافي الكبرى في العالم سويسريّةُفي ذلك الوقت، أشار بانيسوتّي إلى أنّه“إذا نظر المرء إلى المصافي المُدرجة ضمن قائمة التسليم الجيّد، التي تضمّ المصانع التي تستوفي أعلى معايير الجودة العالميّة في تكرير الذهب، فسيدرك أنّ ستّ مصافٍ فقط من مجموع المصافي المعتمَدة تُنجز ما يقارب 90% من حجم الإنتاج العالمي القابل للتداول. والمثيرُ للاهتمام أنّ أربعًا من هذه المصافي الستّ تتّخذ من سويسرا مقرًّا لها”. وتُعدّ قائمة التسليم الجيّد نظامًا صارمًا للاعتماد المهني تُشرف عليه رابطة سوق لندن للسبائك (LBMA)، وهي السلطة الدوليّة الأبرز المعنيّة بوضع معايير الذهب الاستثماري من حيث النقاء وجودة الصهر وبصمة الإنتاج، والالتزام بالتتبّع والمراقبة.
ولذلك، فمن المرجّح إلى حدٍّ كبير أن يكون الخاتم المزيِّن لإصبعك، أو السبيكة المحفوظة في خزنةٍ ما على الجانب الآخر من العالم، مكرّرين في إحدى هذه المصافي السويسرية العملاقة. وهي“فالكامبي” (Valcambi) في باليرنا، و”بامب” (Pamp) في كاستل سان بيترو، و”أرغور–هيرايوس” (Argor-Heraeus) في مندريزيو، أو“ميتالور” (Metalor) في نوشاتيل.
ولكن، كيف تمكّنت سويسرا من الهيمنة على هذا القطاع؟ يُجيب بانيسوتّي قائلًا:“الإجابة في غاية البساطة. يمتلك هذا البلد مستوى استثنائيًّا من الأمن الداخليّ والخارجيّ، وأنظمةً لوجستيّةً وماليّةً تُعدّ من الأكثر كفاءةً في العالم. وليست هذه العناصر تفصيلًا هامشيًّا في قطاع المعادن الثمينة. بل هي ركائز أساسيّة تُحدّد قدرة أيّ دولة على استيراد الذهب، ونقله، وتخزينه، ومعالجته وفق أعلى درجات الأمان والجودة”.
سويسرا والذهب مثل مدينة بوردو والنبيذيقول الصحفي جيل لابارت، مؤلّف كتاب حول الذهب الإفريقي، تشبه مكانة سويسرا في عالم الذهب، مكانة مدينة بوردو في عالم النبيذ. فكما تُعدّ هذه الأخيرة مركزًا تاريخيًّا وعالميًّا لصناعة النبيذ، كذلك أصبحت سويسرا، بفضل تراكم خبراتها وعراقة تقاليدها، موطنًا مثاليًّا لصناعة الذهب. إذ تمتلك كلّ البنى التحتيّة، والخدمات المتخصّصة التي يتطلّبها هذا القطاع عالي الحساسيّة والدقّة.
ولا يزال سوق الذهب في زيورخ، أحد أبرز أسواق الذهب عالميًّا. وحتى وقتٍ قريب، كان مجلس الذهب العالمي، جماعة الضغط الرئيسية في هذا القطاع، يتّخذ من مدينة جنيف مقرًّا رئيسيًّا له.
وتتمتّع علامة“صُنع في سويسرا” بسمعة راسخة في سوق الذهب الدولي. إذ تُنتج المصافي السويسرية غالبًا سبائكَ ذات نقاءٍ يبلغ 99،99%، تُعرف بـ”الأربع تسعات” (four nines). وهو معيارٌ عالميّ معتمَد في الخزائن، والبنوك المركزيّة حول العالم.
ويُوضّح لابارت قائلًا:“يُعدّ الذهب المُكرَّر في سويسرا ذا جودة لا تُضاهى، ومعيارًا يوثق به أينما اتّجهتَ في أنحاء العالم”.
وفي تصريح سابق له، يضيف بانيسوتّي:“لا تنتج المصفاة سبائك الذهب فحسب، بل تُنتج أيضًا منتجاتٍ شبه نهائية، كالعملات والميداليات، وهي صناعات تتطلّب مستوى بالغًا من الدقّة. وقد حافظت سويسرا دائمًا على موقع الريادة في الجودة، ولا يوجد ما يشير إلى تراجع هذا التفرّد في الإتقان يومًا ما”. وقد شبَّه ذلك بصناعة الساعات السويسرية الشهيرة بمستوى دقّتها الفائق، وانضباطها الحِرفي في معايير الإنتاج.
وفي سويسرا، تتمركز ثلاثٌ من خمس جهات دوليّة تُعيّنها رابطة سوق لندن للسبائك، لتكون هيئات تحكيميّةً معتمَدة للرقابة على جودة الذهب المكرَّر عالميًّا. وهي بامب، وأرغور–هيرايوس، وميتالور.
كانتون تيتشينو يتصدر مصافي التكرير السويسريةتلعب المصافي السويسرية دورًا مماثلًا لدور مقدمي الخدمات المتخصصة في معالجة الذهب. إذ تعمل غالبًا كجهات معالجة فنية، بدلًا من كونها مالكة للذهب. ويوضح بانيسوتّي ذلك بقوله:“تستقبل مراكز الصهر والمعالجة الذهب الوارد من الأطراف المتعاملة، ثم تنقّيه ليصل إلى مستوى النقاء المعتمد عالميًا. وبمجرد انتهاء عمليات التكرير، تختار الجهة المرسلة ما إذا كانت ستستعيد الذهب، أو ستطرحه في السوق، أو ستبيعه مباشرة للمصفاة”.
وتقع معظم المصافي في سويسرا ضمن رقعة جغرافيّة ضيّقة. فباستثناء ميتالور في مدينة نوشاتيل، تتجمّع الثلاث الجنوبية الكبرى، فالكامبي وبامب وأرغور–هيرايوس، في منطقة مندريزيوتو التابعة لكانتون تيتشينو، على بُعد خطوات من الحدود الإيطالية.
وتعود جذور تجمّع هذه المصافي ضمن هذه الرقعة الجغرافيّة، إلى عوامل تاريخيّة. فبحسب شركة فالكامبي،“كانت إيطاليا في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته المنتجَ الأوّل عالميًّا للمجوهرات. وكانت تعتمد إلى حدٍّ كبير على الذهب المكرَّر في تيتشينو”. وتعود ملكيّة فالكامبي اليوم إلى شركة نيوماونت الأمريكيّة للتعدين (Newmont Mining Corporation).
أمّا اليوم، فالمحرّك الرئيس لصناعة التكرير هو الطلب العالمي المتنامي من الجهات المُستثمِرة. فتُخزَّن سبائك الذهب المصنّفة عالية النقاء، المكرَّرة في سويسرا. وتُتداوَل، ويُعتَمَد عليها بوصفها وسائل استثمار ماليّة في أسواق، مثل زيورخ ولندن ونيويورك، وفي مراكز المال الرئيسة في آسيا.
وقد سجّلت أسعار الذهب مستويات قياسيّة متلاحقة، متجاوزةً 3،500 دولار للأونصة في عام 2025، في ظلّ تفاقم حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وارتفاع معدّلات التضخّم. ولا يزال الذهب يؤدّي دوره التقليدي بوصفه وسيلة للتحوّط، وصون القدرة الشرائيّة. فيمكن إصدار الأموال الورقيّة وطباعتها، أمّا الذهب، بوصفه معدنًا ثمينًا محدود الوجود، فلا يمكن استحداثه أو توليده اصطناعيًّا. بل يحتاج إلى استخراجه عبر عمليات تعدين مُكلِفة ومعقّدة.
لماذا تشتري الولايات المتحدة هذا الكمّ الكبير من الذهب السويسري؟في السنوات الأخيرة، أصبحت الولايات المتحدة وجهةً رئيسةً للذهب السويسري. ويعود جانبٌ كبير من هذا الطلب إلى صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) العاملة في السوق الأمريكية، وإلى الجهات الاستثماريّة الخاصّة. ويعود وكذلك إلى المؤسّسات الماليّة الباحثة عن أصولٍ آمنة تحفظ القيمة وتُخفّف المخاطر، وخاصة في فترات تقلّبات الأسواق.
وبفضل سمعة سويسرا المتأصّلة في الجودة، واعتماد مصافيها لدى رابطة سوق لندن للسبائك (LBMA)، تعدّ السبائكَ السويسرية مقصدًا جاذبًا للخزائن الأمريكية، ولشتّى الاستثمارات الماليّة.
تدقيقٌ متزايد في أخلاقيّات مصادر الذهب ومشروعيّتهالقد أدّى الدور الرياديّ البارز، المضطلعة به سويسرا في تجارة الذهب العالميّة، إلى زيادة التدقيق في سلاسل توريدها. فقد دفعت الجهاتُ التنظيميّة ومنظّماتُ المجتمع المدني، نحو توثيقٍ أوضح وأدقّ لمصادر الذهب المستورَد، ولا سيّما ذلك القادم من مناطق التعدين الحرفي، أو المتأثّرة بالنزاعات. وخلال الأعوام الأخيرة، عزّزت المصافي السويسرية إجراءات العناية الواجبة في التحقّق من مصادر الذهب، وسلامة وثائقه. لكن ما تزال النقاشات مستمرّة حول مستوى الشفافية المطلوب، والمعايير الأخلاقيّة التي ينبغي الالتزام بها عند استيراد الذهب ومعالجته.
اقرأ المزيد: البحث عن الذهب الأخلاقي – وجهة نظر مصفاة سويسرية
ديناميكيّة تجاريّة جديدة بين الولايات المتحدة وسويسرامنذ بدايات العقد الثاني من الألفية، يُعدّ الارتفاع السريع في صادرات الذهب السويسري إلى الولايات المتحدة أحد أبرز التطوّرات في المشهد التجاري بين البلدين. ففي عام 2024، صدّرت سويسرا إليها ذهبًا بقيمة تناهز 53 مليار فرنك سويسري، ليصبح الذهب أحد أبرز المكوّنات المُسهِمة في تحقيق الفائض التجاري الثنائي لصالح سويسرا.
وفي عام 2025، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركيّة بنسبة 39% على السلع القادمة من سويسرا، وشمل ذلك أيضًا الذهب المكرَّر.لكن خفّض اتفاقٌ مُعدَّلٌ الرسوم على معظم الصادرات السويسرية إلى 15%، واستثنى الذهب المكرَّر من نطاقها. وقد أسهم هذا الاتفاق في الحفاظ على الجدوى الاقتصاديّة لشحنات الذهب السويسري إلى الولايات المتحدة، كما أبرز أهميّة هذا القطاع الاستراتيجية في العلاقات الأمريكية – السويسرية.
وشارك الرئيس التنفيذي لإحدى أكبر مصافي الذهب السويسرية في اجتماعاتٍ مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن الرسوم المفروضة على سويسرا. وخلال مؤتمر صحفي أعقب الإعلان عن الرسوم الجمركية المُعدّلة، كشف أحد كبار المسؤولين.ات في وزارة الاقتصاد السويسرية إبداء مصافي الذهب السويسرية اهتمامًا بإمكانيّة نقل جزءٍ من عملياتها إلى الولايات المتحدة في المستقبل.
وفقًا للإدارة الفدرالية للجمارك، استوردت سويسرا 2372 طنًّا متريًّا، بقيمة بلغت 91 مليار فرنك سويسري، وذلك وفقًا للإدارة الفدرالية للجمارك.
وفي العام نفسه، صدّرت سويسرا1564 طنًّا متريًّا من الذهب المكرَّر بقيمة 88 مليار فرنك سويسري.
وعلى مدى العقد الماضي، تراوحت الواردات السنوية عمومًا بين 2000 و2500 طنّ متريّ، وهو ما يؤكّد دور سويسرا بوصفها أكبر مستوردٍ ومصدّرٍ للذهب في العالم من حيث القيمة.
وتُكرّر سويسرا ما يقارب ثلث الذهب المستخرج حديثًا (الذهب الخام الذي يُستخرج من المناجم قبل تكريره) عالميًّا، إضافةً إلى كميات كبيرة من الذهب المعاد تدويره.
المصدر: الإدارة الفدرالية للجمارك السويسرية؛ هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)
تنتمي ستّ شركات سويسرية إلى”قائمة التسليم الجيّد” ( Good Delivery List ) التابعة لرابطة سوق لندن للسبائك ، ما يعني أنها تستوفي جميع المعايير التي يضعها هذا الجهاز الرقابي الدولي.
“ فالكامبي ” ( Valcambi SA ) في باليرنا: تأسست عام 1961، وتعود ملكيّتها اليوم إلى شركة“نيوماونت” الأميركيّة للتعدين (Newmont Mining Corporation). وتبلغ قدرتها السنوية على التكرير نحو 1400 طنّ متري. ويعمل فيها 165 موظفًا و موظفة.
“ بامب ” (Pamp) في كاستل سان بيترو: تأسست عام 1977 وتتبع لمجموعة“إم كيه إس” (MKS SA)، وتبلغ قدرتها السنوية على التكرير 450 طنًّا متريًّا. ويعمل فيها 160 موظفًا وموظفة.
“ أرغور – هيرايوس ” ( Argor-Heraeus ) في مندريزيو: (تأسست عام 1951) وتبلغ قدرتها السنوية 1000 طنّ متري. ولديها 230 موظفًا وموظفة موزّعين.ات بين سويسرا وألمانيا وإيطاليا وأمريكا الجنوبية.
“ ميتالور ” (Metalor) ومقرها نوشاتيل: تعود جذورها إلى عام 1852 تحت اسم“مارتان دو بوري و سي” (Martin de Pury & Cie). ويبلغ عدد موظفي.ات المجموعة اليوم 1650 موظفًا وموظفة حول العالم، وتبلغ قدرتها السنوية على التكرير نحو 650 طنًّا متريًّا.
وبالإضافة إلى المصافي الأربع الكبرى، تنضمّ شركتا “ ساندرس + ميت و” (Cendres + Métaux SA) في مدينة بييل، و “ بي إكس بريسينوكس “ (PX Précinox SA) في لا شو دو فون، إلى قائمة التسليم الجيّد أيضًا. ولم تُعلن هاتان الشركتان عن قدراتهما السنويّة في التكرير.
المصدر goldbarsworldwide
(نشرت النسخة الأولى من هذه المادة في الأصل في 3 يوليو 2012، ثم حيّنت مؤخرا)
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment