عين على "ظاهرة نتانياهو"!

(MENAFN- Al-Bayan) أثناء مقارباتهم لعملية صنع السياسة والقرار في إسرائيل، ينحو نفر غير قليل من أهل السياسة والرأي والمحللين والأكاديميين العرب، في أدبياتهم ذات الصلة، إلى الارتقاء بمكانة بنيامين نتانياهو بكونه الآمر الناهي وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة؛ الذي لفرط سطوته يكاد يسوق النظام السياسي للدولة إلى مصاف بعض نماذج الديكتاتوريات..

لكنهم لا يلحظون ما يعتريهم من تناقض مربك، حين يذهبون في متون هذه الأدبيات والرؤى ذاتها، إلى أن هذا الرجل، ذا العزم والقوة جدلاً، ((يترنح)) ويوشك أن يغادر موقعه ويخرج من الحلبة، إما إلى الاعتكاف الإجباري في أحسن الفروض، وإما إلى السجن في أسوئها!

معظم هذه المعالجات غير المتسقة تنطلق من منظورات عابرة لظاهر التفاعلات التي يخوض نتانياهو غمارها.. وقد تعود العلة هنا إلى تناول هذه التفاعلات بمنطق التجزئة، وليس بالجملة والنظرة البانورامية الشاملة.

هذه السقطة، ولا سيما في شقها المتعلق بموضوع ((الترنح))، صاحبت مقترفيها لثلاثين عاماً قضاها نتانياهو في الحكم، لكنها تجلت عندهم بكثافة في غضون سنتي الحرب على غزة.

على مدى هاتين السنتين، بدا نتانياهو لدى جانب معتبر من فقه السياسة العربية، النظري أو التطبيقي، أو لدى كليهما، كمن يستخدم الحرب ويعمل على ديمومتها ولا يرغب أبداً في إطفائها، خارقاً بذلك محاولات التهدئة واحدة وراء الأخرى، لا لشيء إلا لبقائه في الحكم والمروق من الاتهامات المرفوعة ضده في الدوائر القضائية، التي تتحرق لتلقفه ومعاقبته فور سكوت المدافع!

على أن نتانياهو، المتهم داخلياً بالاختلاس وخيانة الأمانة وتلقي الرشى، والمطلوب خارجياً للعدالة الدولية لارتكابه جريمة الإبادة الجماعية، يمضي في طريقه وأسلوبه في الحكم، غير عابئ بهذه الأجواء.

وعند التأمل في هذه المفارقة تتضح أهم بواعث ثقته الفائضة في سلوكياته.. هذه البواعث التي يحسبها بنفسه، ومن ورائه قطاعات واسعة من الرأي العام الإسرائيلي، تكفي لتعويمه والإفلات من عواقب ما هو منسوب إليه، إلى درجة أنه ما انفك ((يترنح)) طويلاً لكنه لا يسقط.

في وجه الضغوط التي يواجهها، وبخاصة في الداخل، يفاخر نتانياهو في خطابه بأنه حقق ((إنجازات))، فشل في المجيء بها كل سابقيه وأسلافه.. من قبيل أنه قاد حرباً ((غير خاطفة)) وعلى أكثر من جبهة، محطماً الأقاويل السائدة حول عدم قدرة إسرائيل على ذلك.

وأنه أكد صحة الزعم بذراع إسرائيل الطولى، التي تصل إلى أبعد نقاط الشرق الأوسط؛ وأنه عطل كينونة ما يسمى بمحور المقاومة وقتل الكثير من طلائعه؛ وأعطب ملياً المشروع النووي الإيراني، وأزال خطر غزة الذي لطالما صدع رأس تل أبيب.

وقبل ذلك وبعده يذكر الرجل كيف أنه أفسد كلاً من اتفاق أوسلو وتوابعه وحل الدولتين، وجعل قيام الدولة الفلسطينية على أرض الواقع أمراً بعيد المنال.

يعترف نتانياهو بأنه ما كان لإسرائيل أن تبلغ هذه الأهداف، بمعزل عن العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة.. لكنه حتى في هذه الجزئية الحيوية، يكابر بأنه هو وليس غيره من ارتقى بهذه العلاقة إلى طور التحالف والشراكة العضوية، لدرجة أنه الوحيد من رؤساء وزراء إسرائيل الذي تجرأ أحياناً على مخاطبة الرئيس الأمريكي رأساً لرأس، وزار البيت الأبيض لست مرات في عام واحد.

بهذه الدفوع ونحوها، يباهي الرجل بما يشفع لشهوته في الحكم والسيطرة، مداعباً في الوقت ذاته نوازع الصقور والمتنمرين الكثر في دولته.

هو يعرض تصرفاته الخارجة عن السوية الحقوقية العالمية بأسرها، باعتبارها استجابة لتحديات الآخرين (الجوييم)، الذين لا ينتظرون اختفاءه بشخصه، وإنما يقصدون في التحليل الأخير إضعاف إسرائيل أو اختفاءها تماماً.

ثم إنه يرفد هذا التصور ويغذيه بحمولات ورسائل عندما يتحدث عن اقتراب إسرائيل، تحت قيادته ((الفذة))، من تحقيق الوعود. وبيت القصيد هنا أن الشق الأعظم من الإسرائيليين، بمن فيهم معارضوه، يقرّون بذلك، ولا تعنيهم كثيراً آراء الآخرين..

وإنه حتى في حال انتقل نتانياهو من حالة ((الترنح الممتد)) إلى السقوط الفعلي لأي سبب كان، فقد يتعين على أصحاب الأدبيات الاقتناع بأنه الآن في السابعة والسبعين، بحيث إن مستقبله بات وراء ظهره، وقد ترك خلفه تركة، تراكمت لثلاثة عقود، يصعب على من يخلفه تجاوزها، ويوطنون أنفسهم على ذلك. هذا بالطبع إن أرادوا التصالح مع حقائق الواقع، وليس الأخذ بمنهج التفكير الأمنياتي.

MENAFN02012026000110011019ID1110549513

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث