العلاقات الخليجية في زمن التحولات الكبرى

(MENAFN- Al-Bayan) في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عادت الساحة اليمنية لتتصدر المشهد، ليس فقط بوصفها ملفاً أمنياً معقداً، بل كمرآة تعكس طبيعة العلاقات الخليجية في زمن التحولات الكبرى.

فالتطورات الأخيرة، وما صاحبها من ضجيج إعلامي وتفاعل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، تجاوزت حدود الحدث ذاته، لتفتح نقاشاً أعمق حول إدارة الخلافات بين الحلفاء، وحدود الاختلاف المشروع في الوسائل، دون المساس بوحدة الغاية والمصير.

شهدت الأيام الماضية ضربة سعودية محدودة استهدفت شحنة من المركبات قيل إنها أُرسلت من الإمارات إلى اليمن، أعقبها بيان سعودي دعا الإمارات إلى التوقف عن دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وإعادة تقييم دورها في المشهد اليمني.

في المقابل، جاء الرد الإماراتي واضحاً بإعلان استكمال عودة جميع عناصر القوات المسلحة الإماراتية من اليمن الموكل إليها مهام مكافحة الإرهاب، في خطوة أعادت إلى الأذهان قراراً سبق اتخاذه منذ سنوات بإعادة تموضع القوات الإماراتية، والتركيز على مسارات التنمية والعمل الإنساني، الأكثر انسجاماً مع الرؤية الإماراتية للأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

غير أن ما جرى على الأرض لم يكن هو الأخطر، بل ما تلاه في الفضاء الرقمي. فقد اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بخطاب تصعيدي، صوّر المشهد وكأنه خلاف جذري بين دولتين شقيقتين، وتجاهل – عن قصد أو جهل – عمق التحالف الاستراتيجي بين الإمارات والسعودية، وحجم التضحيات المشتركة التي قُدمت في اليمن، سواء عبر العمليات العسكرية، أو من خلال الدعم الإنساني ومشاريع التنمية وإعادة الإعمار، فضلاً عن الدماء التي امتزجت دفاعاً عن أمن المنطقة.

المفارقة أن هذا الخطاب أغفل حقيقة جوهرية: الإمارات والسعودية متفقتان في الغاية، مختلفتان في الوسيلة. فالهدف المشترك ظل ثابتاً منذ البداية: إعادة الشرعية، وحماية أمن اليمن، ومنع تحوله إلى منصة تهديد لأمن الخليج والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي، لكن الخلاف كان – ولا يزال – حول كيفية تحقيق هذا الهدف، وليس حول الهدف ذاته.

ترى الإمارات، انطلاقاً من تجربتها العملية والقراءة العميقة لبنية الصراع اليمني، أن التعاون مع قوى مرتبطة بجماعة الإخوان، ممثلة في حزب الإصلاح، لن يكون داعماً لإقصاء الحوثي، ولن يفضي إلى استقرارٍ مستدام. فالتقاطع الأيديولوجي.

وإن اختلفت الشعارات، بين الحوثي وجماعة الإخوان في توظيف الدين، وبناء النفوذ عبر الميليشيات والتنظيمات العابرة للدولة، يجعل من هذا الخيار وصفة لإعادة تدوير الأزمة لا حلّها. وتعتقد الإمارات أن الرهان على قوى تحمل مشروعاً أيديولوجياً خاصاً، سيؤدي في النهاية إلى إنتاج صراع جديد، حتى لو تم إقصاء الحوثي مؤقتاً.

في المقابل، تنظر السعودية إلى حزب الإصلاح بوصفه أحد أكبر الأحزاب اليمنية تنظيماً وانتشاراً، وترى أن إشراكه قد يكون ضرورة تكتيكية في معادلة شديدة التعقيد، تفرضها موازين القوى على الأرض، واعتبارات إدارة الصراع في مرحلة معينة. هذا الاختلاف في التقدير السياسي مشروع، بل طبيعي في ملفاتٍ بهذا التعقيد والتشابك، لكنه لا ينبغي – بأي حال – أن يتحول إلى خلافٍ استراتيجي، أو شرخٍ في جدار التحالف الخليجي.

ومن الخطأ الفادح اختزال المشهد في ثنائية ((خلاف سعودي – إماراتي)). فالدولتان تمثلان معاً العمود الفقري للتوازن العربي في المنطقة. السعودية والإمارات ليستا دولتين عاديتين في المعادلة الإقليمية، إنهما أبرز قوتين عربيتين فاعلتين، واستقرارهما وتوافقهما ليس مصلحة ثنائية فحسب، بل ركيزة أساسية لأمن الخليج، واستقرار الشرق الأوسط، وحماية المصالح العربية في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والصراع.

الأخطر من الخلاف ذاته هو توقيته. فالمنطقة والعالم يشهدان تصاعداً غير مسبوق في حدة التنافس بين القوى الكبرى، مع تزايد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، وتحول المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية إلى صراع نفوذ شامل، يمتد من سلاسل الإمداد إلى الممرات البحرية، ومن الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والمعادن النادرة. هذا الصراع مرشح لأن يتخذ أشكالاً أكثر حدّة في المستقبل، اقتصادياً، وربما عسكرياً.

في هذا السياق، لا يمكن افتراض أن سياسة الوقوف على مسافة واحدة من القوى الكبرى، ستظل خياراً مستداماً إلى الأبد. فإذا ما تطور الصراع بين القوى الكبرى إلى مواجهة أوسع، قد تجد دول الخليج نفسها مضطرة إلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتباين مواقف دول الخليج، فيتحول الإقليم إلى ساحة تنافس وصراع بالوكالة بين القوى العظمى، بدل أن يكون كتلة مستقلة، قادرة على حماية مصالحها.

لهذا، فإن إدارة الخلافات الإقليمية، وعلى رأسها الملف اليمني، يجب ألا تُقرأ بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. فالانشغال بتضخيم الخلافات التكتيكية، وتحويلها إلى معارك إعلامية، يمنح الآخرين فرصة لاختراق الصف الخليجي، وإعادة رسم توازنات المنطقة على حساب أمنها واستقرارها.

المطلوب اليوم ليس إنكار الخلاف، بل احتواؤه بعقل بارد، ورؤية استراتيجية ناضجة. المطلوب أن تتفق العواصم الخليجية على أطر مشتركة لإدارة الملفات الأمنية والسياسية، وأن تُدرك أن التباين في الوسائل لا يجب أن يُفسد التوافق في الغايات. فالقادم – إقليمياً ودولياً – أكثر تعقيداً وأكثر كلفة، ولا يحتمل رفاهية الانقسام أو الحسابات الضيقة.

وفي عالمٍ يتغير بسرعة، لا يملك الخليج ترف الانقسام.

إما أن يواجه التحديات القادمة كتكتل واعٍ، متماسك، قادر على إدارة خلافاته ضمن رؤية موحدة، أو يترك فراغاً ستملؤه صراعات الآخرين.

والاختيار، مهما بدا صعباً، يجب أن تقوده الحكمة.

MENAFN02012026000110011019ID1110549510

إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

البحث