الرياح الساخنة لتعريفات ترامب الجمركية تصطدم بحقائق الواقع الباردة
وفي هذه الأيام، تتوالى الأحداث بشكل مستمر في الاتجاه المعاكس. ويعدّ اجتماع أكتوبر مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي تراجع فيه ترامب بعد تهديده بتصعيد هائل للتعريفات الجمركية، نقطة تحول كبيرة.
وخلال الأسبوع الماضي، وبعد أن حافظ على رباطة جأشه في مواجهة هجوم ترامب على الملاحقة الجنائية لسلفه المحرض على الانقلاب، حصل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، على مكافأة في صورة تخفيضات ضخمة في التعريفات الجمركية الأمريكية على المواد الغذائية. كما حظيت دول أمريكا الوسطى والجنوبية، الأرجنتين والإكوادور وغواتيمالا والسلفادور، على إعفاء مماثل.
ومن المرجح أن يطالب الاتحاد الأوروبي هو الآخر بذلك. ولم تفرض على كندا بعد رسوم جمركية إضافية بنسبة 10%. وتشير التقارير إلى أن ترامب سيخفف أو يعلق الرسوم الجمركية المقبلة على أشباه الموصلات.
كما أن هناك حكماً صادراً عن المحكمة العليا قد يجبره على إعادة بناء جدار الرسوم الجمركية بسرعة كبيرة باستخدام أدوات قانونية أخرى، وهو ما يسلط الضوء على سياسة لا تحظى بشعبية لدى الجمهور أو الشركات.
في هذا السياق، تفشل تصريحات ترامب المستمرة المؤيدة للرسوم الجمركية، في محاولة منه لكسب تأييد الرأي العام المعادي، في تحقيق أي من أهدافها. لقد خذله الواقع، ولن يجدي نفعاً ما يقوم به الآن.
وفي الواقع، من المحتمل أن يكون هناك ما هو أسوأ، حيث لم تتحقق الآثار التي توقعها الاقتصاديون حتى الآن إلا جزئياً، لأسباب ليس أقلها أن الجزء الكبير من الرسوم الجمركية الذي وعد بفرضه في ما يسمى ((يوم التحرير)) في أبريل لم يصل إلا في أغسطس، ولأن الرئيس اضطر إلى تقليصها أو تجميدها لتخفيف الأعباء على بعض الصناعات.
ولا تزال عائدات الرسوم الجمركية مقارنة بقيم الواردات أقل بقليل من 10%، وهذه الحصيلة الضريبية لا تكفي لتمويل ((عائد الرسوم الجمركية)) المفترض البالغ 2000 دولار الذي وعد به ترامب الناخبين.
وللعلم، فإن الكثير من الزيادة في أسعار المستهلك لم يصل بعد، بعد أن ضمن بناء المخزونات وغيرها من الاستراتيجيات الرشيقة للشركات عدم حدوث تهديدات بخلو الرفوف أمام الأمريكيين حتى الآن.
لقد كانت الرسوم الجمركية مزعجة لكنها ليست كارثية. فشبكة إنتاج ((مصنع آسيا)) للألعاب والإلكترونيات التي بنيت خلال التسعينيات، على أي حال، تحققت على الرغم من أن متوسط الرسوم الجمركية بين الدول المشاركة ظل في خانة العشرات.
لكن من المرجح جداً أن تكون هناك المزيد من المشكلات الاقتصادية والسياسية في المستقبل إذا ارتفعت الأسعار وانقطعت التجارة بشكل خطير.
كما كان إنتاج التصنيع والتوظيف يتراجعان بالفعل طوال فترة رئاسة ترامب حتى الآن، وتشكو الشركات من عدم قدرتها على الحصول على المدخلات المستوردة.
قد يتعين تسارع تراجع ترامب عن الرسوم الجمركية. تعكس تخفيضات الرسوم الجمركية على المواد الغذائية تجدد القلق بشأن تكلفة المعيشة، وهو أمر ألقي باللوم فيه على سلفه جو بايدن.
لقد وعد ترامب، على نحو غير صادق، ليس فقط بخفض معدل التضخم - أي ارتفاع مستوى الأسعار - بل بخفض الأسعار نفسها. وقد عانى بايدن ظلماً من عجز الجمهور عن إدراك الفرق بين تغيرات الأسعار ومستوياتها؛ وخيبة الأمل في ترامب هي خطأه. لقد اقتصرت إدارته على عدم نشر الحقيقة بشأن أسعار البقالة.
لقد اكتشف ترامب أن العالم، واقتصاديات التجارة والنمو، ليست كما كان يعتقد، فحتى لو نجحت الرسوم الجمركية في حماية الصناعة، فلن تفيد الولايات المتحدة كثيراً في النهاية.
أمريكا بلد غني يهيمن عليه استهلاك الخدمات المحلية، وقطاع السلع المتداولة فيه صغير نسبياً، وليست اقتصاداً متوسط الدخل في شرق آسيا يعتمد على صادرات الصناعات التحويلية.
في الواقع، كان من المنطقي أن يركز إعلان الحملة الانتخابية الكندية الذي أثار غضب ترامب على أن ريغان كان من مؤيدي التجارة الحرة، بالمقارنة مع ترامب.
وكما يوحي الإعلان، استخدم ريغان حماية مستهدفة لقطاعات حيوية مثل الصلب والسيارات لخلق مساحة سياسية لمسعى أشمل لخفض الرسوم الجمركية. كما استخدم حق النقض ضد حصص استيراد مقيدة للملابس والأحذية، وتحدث عن تأثير ذلك على المستهلكين والشركات على حد سواء.
وبالنسبة للرسوم الجمركية كأداة لإدارة الاقتصاد العالمي، فقد مضى وقت طويل منذ أن سعى أي شخص في الإدارة الأمريكية جاهدًا لترويج ((اتفاقية مار-ا-لاغو))- فكرة أن الولايات المتحدة قد تستخدم القيود التجارية لإجبار العالم على إضعاف الدولار بشكل مستمر.
ونحن بالتأكيد بعيدون كل البعد عن أوهام وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي أبدى رأيه في أكتوبر من العام الماضي بأن واشنطن قد تجبر دولًا أخرى على إعادة هيكلة اقتصاداتها بما يخدم مصالح الولايات المتحدة.
صحيح أن حكومات مثل حكومة ماليزيا وقعت مؤخراً اتفاقيات يفترض أنها تسمح للولايات المتحدة بفرض ضوابط على التصدير وما شابه. لكنني، شخصياً، أشك تماماً في أن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لتدمير اقتصادها بما يكفي للتهديد باستخدامها كورقة ضغط.
الحقائق ثابتة. والعالم ليس كما تخيله ترامب. فقد تبين بالفعل أن إحدى أدواته المفضلة أثبتت أنها أقل فاعلية بكثير وأكثر ضرراً على من يستخدمها مما كان يتخيل. وقد أخبره الجميع بذلك بالطبع.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment