
ترامب يعترض طريق السيارات بتصيد جمركي يربك الصناعة
عبرت التراجعات التي شهدتها أسهم شركات السيارات في أوروبا واليابان بشكل خاص بصورة فورية عن تصاعد مخاوف المستثمرين، بما في ذلك المخاوف المرتبطة بالتداعيات الأوسع نطاقاً على سلاسل التوريد والقدرة الشرائية للمستهلكين، مما قد يقود إلى اضطراب اقتصادي أعمق.
على صعيد الأسواق العالمية، شكل الإعلان تهديداً واضحاً لشركات السيارات الأوروبية واليابانية، التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأمريكية، والتي تجد نفسها أمام ضغوط غير مسبوقة تدفعها لإعادة تقييم استراتيجياتها التصنيعية والتجارية في ظل التهديدات الجمركية.
أما على مستوى الشركات الأمريكية، فقد أثار قرار ترامب مخاوف كبرى أيضاً، في وقت تعتمد فيه صناعة السيارات في الولايات المتحدة على سلاسل توريد دولية معقدة، مما يعني أن ارتفاع تكلفة استيراد الأجزاء والمكونات سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السيارات المنتجة محلياً.
في أوروبا، تراجع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي للسيارات بنحو 1% في ختام الجلسة الأخيرة بالأسبوع الماضي، ليفاقم خسائره الأسبوعية إلى تراجع بنسبة 3.2%.
وتراجعت أسهم ((بي إم دبليو)) الألمانية بأكثر من 4% خلال الأسبوع الأخير. وتكبدت أسهم ستيلانتيس (الشركة المصنعة لسيارات الجيب) خسائر بأكثر من 6% خلال الأسبوع الماضي. كما سجلت أسهم مرسيدس - بنز تراجعاً بنحو 4.5%.
وانخفضت أسهم شركة السيارات اليابانية سوبارو بأكثر من 7.5% خلال الأسبوع الماضي. كذلك خسرت أسهم نظيرتها مازدا بنحو 9%. وسجلت كل من ميتسوبيشي موتورز وتويوتا ونيسان خسائر أسبوعية بنسبة 5% و6% و6.7% على التوالي.
صناعة عالمية
وبشأن التداعيات الأوسع نطاقاً لتلك الرسوم، يشير أستاذ الاقتصاد بكلية ويليامز الأمريكية، كين كوتنر، لـ ((البيان)) إلى أن صناعة السيارات أصبحت ((عالمية)) إلى حد كبير، لدرجة أن حتى السيارات التي يتم تجميعها محلياً تعتمد بشكل كبير على الأجزاء المستوردة.. ونتيجة لذلك، ستتأثر العديد من الدول، إلى جانب تلك التي تقوم بعملية التجميع الفعلي، مردفاً: ((لقد شهدنا بالفعل التأثير السلبي على سوق الأسهم الأمريكية، وليس من المستبعد أن تتأثر أسواق أخرى أيضاً)).
ويشار إلى أن نحو نصف المركبات المباعة في الولايات المتحدة يتم استيرادها، علاوة على أن المركبات المجمعة في الولايات المتحدة تأتي مع 60% من الأجزاء الرئيسية من الخارج.
وتتصدر المكسيك قائمة الدول التي تورد السيارات للولايات المتحدة، ثم الاتحاد الأوروبي في المرتبة الثانية وكندا واليابان على التوالي، وكوريا الجنوبية في المرتبة الرابعة، ثم الصين.
ويشدد على أن ((حالة عدم اليقين الاقتصادي الناتجة عن الإعلانات المتكررة والمتناقضة بشأن الرسوم الجمركية ستكون سيئة بالنسبة للاستثمار.. وعلى المدى الطويل، قد نشهد بعض التحول في التصنيع نحو الولايات المتحدة، لكن تكلفة السيارات سترتفع في النهاية، نظراً لأن تكاليف الإنتاج أعلى في الولايات المتحدة)).
بحسب تقديرات بنك أوف أمريكا، فإن أسعار بعض السيارات قد تزيد بـ 10 آلاف دولار، جراء تلك الرسوم. كما يحذر البنك في الوقت نفسه من تراجع محتمل لمبيعات السيارات الأمريكية نفسها بما قد يصل إلى ثلاثة ملايين سيارة.
كما تبرز شركة أبحاث السوق ((كوكس أوتوموتيف)) المخاوف المرتبطة بتراجع الإنتاج في مصانع الولايات المتحدة بنحو 30%.
ويحذر محللون من أن هذه الرسوم قد تشعل فتيل حرب تجارية جديدة، حيث من المتوقع أن ترد الدول المتضررة بفرض تعرفات انتقامية على الصادرات الأمريكية، مما يزيد من الضغوط على الشركات الأمريكية ويدفع الاقتصاد العالمي نحو مزيد من الاضطراب.
من أبرز الشركات الأمريكية التي تصنع سياراتها في الخارج شركة جنرال موتورز، والتي تراجعت أسهمها بنحو 6% خلال الأسبوع الماضي. كذلك شركة فورد والتي تراجعت بنحو 3% خلال الأسبوع.
ومن ثم يبدو أن هذا القرار الذي وُصف بأنه ((تحرير اقتصادي)) قد ينقلب إلى عبء ثقيل على السوق الأمريكية من جهة، والأسواق العالمية عموماً، ويثير تساؤلات جوهرية حول جدوى الحمائية الاقتصادية في عالم تسوده سلاسل التوريد المعولمة والتشابك التجاري العابر للحدود.
أزمة عالمية
الأستاذ بكلية هاملتون في نيويورك، ألان كفروني، يقول لـ ((البيان)) إنه رغم أن وول ستريت دعمت حملة ترامب الانتخابية واحتفلت بفوزه، فإنها لم تكن تتوقع التزامه بوعوده الانتخابية بشأن فرض الرسوم الجمركية على ذلك النحو. وقد اشتكى ترامب قائلاً: ((إذا لم يكن لديك صلب، فليس لديك دولة))، بينما أكد وزير الخزانة، سكوت بيسنت، أن الحكومة غير معنية بـ((تقلبات السوق الطفيفة)) وتركز بدلاً من ذلك على ((الاقتصاد الحقيقي)).
ومع أن الرسوم الجمركية قد تدعم التنمية الاقتصادية المحلية وتحد من العجز التجاري في بعض الجوانب، إلا أن قدرتها على إنعاش الإنتاج الصناعي الأمريكي تظل محدودة، وفق كفروني الذي يضيف: ((المنطقة التجارية الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا تعتمد على سلاسل توريد معقدة، ومن المؤكد أن تعطيلها سيؤدي إلى تباطؤ النمو. كما أن الرسوم الجمركية المفروضة على الصين ستدفع صادراتها نحو أوروبا، التي تعاني بالفعل من تراجع صناعي)).
وبحسب الأستاذ بكلية هاملتون في نيويورك، فقد تكون هناك دوافع أخرى وراء تصعيد ترامب الجمركي، إذ يمكن أن تخدم الرسوم في إعادة توزيع الثروة نحو الأعلى، وهو أحد الأهداف الرئيسية لإدارته. وبما أنها تفرض كضريبة على الاستهلاك، فإنها تلقي أعباء مالية كبيرة على المستهلكين، بينما قد تساعد في الحد من تضخم الدين الوطني الذي يبلغ 36 تريليون دولار. كما يمكن أن تخفف من الأعباء المالية للخزانة الأمريكية، مما يسهل تنفيذ جولة جديدة من التخفيضات الضريبية على الشركات، وبالتالي الحفاظ على هيمنة الدولار.
ويرى كفروني في هذا السياق أن العالم بلا شك يواجه أزمة عالمية وشيكة، وهي أكثر خطورة وشمولية من أزمة 2007-2008.
وتعد أزمة الرسوم الجمركية على السيارات غير المصنوعة في الولايات المتحدة حلقة من سلسلة قرارات ترامب الحمائية التي تثير تلك المخاوف.
ويمكن أن يصل عبء الرسوم الأمريكية الجديدة على شركات صناعة السيارات العالمية إلى 110 مليارات دولار تكلفة سنوية، وفق تقديرات بيرنشتاين. بينما تنتظر الأسواق جولة جديدة من الرسوم الجمركية الأمريكية غداً الثاني من أبريل.
نتائج عكسية
وبينما يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسية عبر فرض رسوم جمركية على السيارات المستوردة، تتضمن (حماية الصناعة الأمريكية وتشجيع التصنيع المحلي، علاوة على تقليص العجز التجاري، والتفاوض على اتفاقات تجارية أفضل، بالإضافة إلى معايير الأمن القومي، وتعزيز موقفه السياسي بعدما نال فرض التعرفات الجمركية شعبية بين بعض الفئات داخل واشنطن)، فإن ثمة نتائج عكسية في المقابل.
وبحسب كبير الاقتصاديين في شركة ACY، الدكتور نضال الشعار، فإنه بينما كانت أهداف ترامب تتمثل في تعزيز الاقتصاد المحلي وحماية الصناعة الأمريكية، إلا أن هذه السياسات أثارت جدلاً كبيراً. فقد تؤدي إلى توترات تجارية مع الدول الأخرى وتؤثر على المستهلكين من خلال ارتفاع الأسعار. كما أن بعض الشركات الأمريكية ستتضرر بسبب ارتفاع تكاليف المواد الخام والمكونات المستوردة.
ويشير لدى حديثه مع ((البيان)) إلى أن أبرز الآثار العكسية لتلك الرسوم تتمثل في (زيادة التكاليف على المستهلكين الأمريكيين، وحتى التأثيرات السلبية على الشركات الأمريكية التي تعتمد على المكونات أو السيارات المستوردة والتي ستشهد زيادة في التكاليف)، منبهاً في الوقت نفسه إلى ردود الفعل الانتقامية من الدول الأجنبية التي قد تفرض بالمثل تعرفات جمركية على السيارات الأمريكية أو منتجات أخرى، وبما يقود لحرب تجارية جديدة. ويشير في الوقت نفسه إلى التأثيرات المحتملة على سلاسل التوريد، لجهة عرقلة الرسوم تدفق المكونات بين الدول مما يزيد من تعقيدات الإنتاج.
من بين التأثيرات العكسية ما يرتبط بالتأثير على الاستثمار الأجنبي، فضلاً عن التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي، لجهة أن ارتفاع أسعار السيارات قد يسهم في زيادة التضخم، مما يحد من القوة الشرائية للمستهلكين. في الحالات القصوى، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تباطؤ النمو الاقتصادي.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.
الأخبار الأكثر تداولاً
أكسيوس: تأجيل الاحتلال الإفراج عن الأسرى جاء بعد جلستين أمنيتين