رسالة مفتوحة إلى المثقفين
وعلى مدى العقود الماضية، تكررت ذات الحالة؛ إذ برزت أصوات عقائدية وأخرى متفلسفة في طرحها، بينما حاول بعض المُسيَّسين، عبر بيانات ومنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، إعادة تقديم أنفسهم للمجتمع بصورة مختلفة، متجاهلين مواقفهم السابقة.
الحياة رسالة، ولا تتجلى قيمة هذه الرسالة أكثر من أوقات الأزمات؛ ففي الظروف الاستثنائية تظهر معادن الناس الحقيقية، سواء كانوا مواطنين عاديين، أو مسؤولين مخلصين، أو مثقفين يحملون مسؤولية تفسير الواقع وكشف أبعاده.
لكنَّ المؤسف أنَّ كثيرًا من مثقفينا اختاروا الصمت منذ بداية الأزمة حتى اليوم، فلم نقرأ لهم حضورًا فاعلا يواكب حجم التحديات التي يمر بها الوطن. وهنا يبرز السؤال: أين دور المثقف الحقيقي في اللحظات المصيرية؟
إنَّ المثقف الحقيقي لا يكتفي بالمراقبة من بعيد، بل يتحمل مسؤولية وطنية وأخلاقية في الدفاع عن وحدة وطنه، وتوضيح الحقائق، واستشراف النتائج، بعيدًا عن الانفعال أو الخوف أو الحسابات الضيقة.
ففي أوقات الأزمات تصبح الكلمة الواعية أكثر تأثيرًا من أي سلاح؛ لأنها قادرة على تعزيز الوحدة، وترسيخ الوعي، ومواجهة محاولات التشكيك أو بث الانقسام.
والمجتمع ينتظر من مثقفيه أن يفسروا الغموض، ويقدموا رؤية عقلانية تساعد الناس على فهم ما يجري، لا أن يظلوا أسرى الصمت أو العزلة الفكرية.
إنَّ دور المثقف لا يقتصر على النقد أو التنظير، بل يمتد إلى الإسهام في حماية الهوية الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي.
إن للمثقفين دورًا بالغ الأهمية في أوقات الأزمات، ويكفي أن نشير إلى ما حدث خلال الحرب العالمية الثانية، حين كانت ألمانيا الهتلرية تخطط لاحتلال الجزر البريطانية، إذ كشفت الوثائق أن السلطات النازية كانت تعتزم القبض على المثقفين البريطانيين في الأيام الأولى من الغزو، إدراكًا منها لحجم تأثيرهم ودورهم في تعزيز الوعي الوطني والدفاع عن أوطانهم، وقد أورد هذه الواقعة المؤرخ الأمريكي ويليام شيرر في كتابه «نشأة وسقوط الرايخ الثالث».
جدير بالذكر أن ويليام لورانس شيرر كان صحفيًّا أمريكيًّا ومراسلا حربيًّا ومؤرخًا، وقد قُرِئ كتابه «صعود وسقوط الرايخ الثالث»، الذي يؤرخ لتاريخ ألمانيا النازية، واستُشهد به في الأعمال الأكاديمية أكثر من 60 عامًا؛ وقد احتُفل بالذكرى الخمسين لصدوره بإصدار طبعة جديدة منه.
وهذا يؤكد المكانة الكبيرة التي يحتلها المثقف الوطني، والمسؤولية التاريخية المُلقاة على عاتقه في حماية الهوية الوطنية وترسيخ الوعي في أوقات التحديات.
وبكل صراحة، فإننا لم نلمس من كثير من مثقفينا ذلك الدور الفاعل الذي يتناسب مع حساسية المرحلة، رغم أنها أحلك فترة تاريخية مرَّ بها الوطن.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تفرض على المثقف أن يكون حاضرًا بقلمه وموقفه، وأن يُسهم في ترسيخ الوعي الوطني في واحدة من أكثر المراحل حساسية.
وتزداد مسؤولية المثقف خطورة حين تختلط الشعارات بالحقائق، وتُستخدم القضايا الكبرى غطاءً لمشاريع سياسية وتوسعية تهدد أمن الأوطان واستقرارها؛ فالمشهد الإقليمي اليوم كشف بوضوح حجم التناقض بين الشعارات المرفوعة والممارسات على أرض الواقع، بعدما تحولت بعض الخطابات التي ادّعت الدفاع عن الأمة وقضاياها إلى أدوات لزعزعة استقرار الدول العربية والتدخل في شؤونها الداخلية.
ومن هنا، فإن دور المثقف الوطني لا يقتصر على التنديد بالمخاطر، بل يمتد إلى كشف محاولات التضليل الفكري التي تسعى إلى تبرير العدوان أو تجميله تحت عناوين أيديولوجية أو دينية. فحين تصل التهديدات إلى حدود الوطن وأمن المجتمع، يصبح الصمت الفكري فراغًا خطيرًا قد تملؤه خطابات الانفعال والتبرير والاستقطاب.
هذه الرسالة التي وجهتها عدة مرات للنخب الفكرية والثقافية في المملكة، أعيدها هذه المرة، بعد مرحلة فارقة في تاريخ الوطن والمنطقة، انكشفت فيها الوجوه، ومن تخلف عن الدفاع عن سيادة الوطن في هذا التوقيت، لا يجب أن يكتفي بمجرد بيانات جوفاء، إذ يجب عليه بذل الجهد في تصحيح مفاهيم المغرر بهم من الجيل الجديد، بعد أن وقعوا في براثن أفكارهم المضللة طوال السنوات الماضية.
فالشباب اليوم يواجهون تدفقًا هائلا من الخطابات المتناقضة عبر المنصات الرقمية، الأمر الذي يجعل دور المثقف أكثر أهمية في بناء وعي متزن يحمي الأجيال من التطرف الفكري والانجرار خلف الشعارات المغلوطة.
لذلك، ألم يحن الوقت لمثقفينا أن ينفضوا الغبار عن أقلامهم، وأن يمارسوا دورهم الحقيقي بوصفهم حراسًا للوعي وروادًا للفكر ومسؤولين عن الدفاع عن هوية الوطن؟
الكلمة التي يكتبها المثقف اليوم لا تؤثر في الحاضر فقط، بل تُسهم في تشكيل وعي الأجيال القادمة تجاه وطنها وقضاياه، وسيبقى التاريخ شاهدًا على مواقف المثقفين في اللحظات الفارقة؛ فمنهم من اختار أن يكون صوتًا للوطن، ومنهم من آثر الصمت حين كانت الأوطان تحتاج إلى الكلمة الشجاعة.
إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي
تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا
من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما
يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام
مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

Comments
No comment