Wednesday, 24 July 2024 12:55 GMT



الغرق في الاستنزاف

(MENAFN- Alghad Newspaper) يديعوت أحرونوت
ميخائيل ميلشتاين 23/6/2024

الحادثة القاسية التي قتل فيها جنديان من الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي في محور نتساريم، في أعقاب نار قذائف هاون أطلقتها حماس تجسد نموذج الحرب الذي يتثبت في غزة. يوجد فيه وجه شبه مع المواجهة التي جرت في الحزام الأمني في لبنان حتى العام 2000، أي خوض حرب متآكلة في طريق ذي اتجاه واحد في منطقة إقليمية محدودة.
تتمسك إسرائيل بتقويض حماس وتعلن بأنها تتقدم نحو هذا الهدف، لكنها عمليا تغرق في حرب استنزاف. هذه معركة بلا عامل تقدم واضح في الزمان وفي المكان: الجيش الإسرائيلي يعمل في ضوء إستراتيجية المرحلة الثالثة، وبموجبها يمكن إلحاق الهزيمة بحماس من خلال أعمال مركزة متواصلة، دون بقاء دائم في الأرض المحتلة. عمليا، يحوز الجيش الإسرائيلي قاطعين إقليميين ضيقين (نتساريم وفيلادلفيا)، بينما تواصل حماس لتكون عنصر القوة المسيطرة في باقي القطاع. الجنرال تشارلز براون، رئيس أركان الجيش الأميركي انتقد فكرة العمل الإسرائيلية، وادعى بأنك "لا ينبغي لك فقط ان تدخل وتصفي الخصم بل عليك أن تحوز المنطقة وتثبتها بعد ذلك".
وتنبع الورطة المتزايدة من فوارق أساسية لفهم الواقع لدى أصحاب القرار. في المستوى السياسي يبرز غياب إستراتيجية مرتبة وواقعية. عشية 7 أكتوبر لم يجر تفكير وتخطيط عميقين في الموضوع الفلسطيني، والحرب نشبت دون أن تكون لإسرائيل خطط مرتبة بالنسبة لاحتلال غزة، سيطرة عليها وإقامة نظام بديل. الفراغ تملأه إما الشعارات أو خيالات، وبخاصة بالنسبة لتحقيق "نصر مطلق" وإقامة نظام جديد يقوم على أساس قوى محلية ذات نهج إيجابي تجاه إسرائيل ونزع تطرف الجمهور الفلسطيني (الذي لا يبدي حتى الآن ميلا لأي حساب للنفس).
بغياب إستراتيجية مرتبة، فإن المفاهيم والاصطلاحات العسكرية تصبح سياسة. "تفكيك كتائب حماس" و "إلحاق الهزيمة بالمنظمة" مستمدة من قاموس المفاهيم العسكرية، لكنها غير مناسبة للتصدي لجسم أيديولوجي مسلح صهر نفسه في داخل المجتمع المدني ويواصل القتال والتحكم حتى بعد أن تلقى ضربات قاسية. آخرها كانت (على ما يبدو) تصفية رائد سعد، رقم 4 في الذراع العسكري للمنظمة ورئيس قسم العمليات فيها. حسابات إعداد الوحدات التي أصيبت هم المقاتلون الذين صفوا تجعل من الصعب علينا أن نفهم الطبيعة الخاصة للعدو والمواجهة في غزة وتذكر بحرب فيتنام التي حقق فيها الأميركيون نجاحات تكتيكية كثيرة لكنهم لم ينجحوا في جمعها إلى إنجاز إستراتيجي عام.
إن الوعود التي تقول "إلحاق الهزيمة بحماس قريب" تذكر بإعلان الإدارة الأميركية بعد احتلال بغداد في 2003 بان "المهمة انتهت" (Mission accomplished) أي تلك العسكرية لكن ليست تلك الإستراتيجية، التي أصبحت "مغامرة" طويلة وفاشلة لإقامة ديمقراطية مستقرة في العراق. الاحتكاك بالذات الأسبوع الماضي بين المستوى السياسي والعسكري، وبخاصة بين رئيس الوزراء والناطق العسكري، كفيل بأن يشهد على مؤشرات الصحوة: من جهة شعار النصر المطلق، دون الشرح كيف ومتى سيتحقق، ومن الجهة الأخرى إشارة شديدة الوضوح بموجبها الحسم الكامل ليس قابلا للتحقق، على الأقل طالما يجري نموذج المواجهة الحالية.
وفي هذه الأثناء في الميدان – بدلا من الصراع ضد أطر عسكرية شبه منظمة، نحو نصف قادتها صفوا، تنتقل حماس إلى حرب عصابات في منطقة تعرفها جيدا، في ظل الاستناد إلى عطف قسم مهم من السكان، تعبئة متجددة لصفوفها واستغلال غياب التواصل في التواجد والأعمال العسكرية الإسرائيلية في معظم مناطق القطاع. الأمر يسمح لحماس بأن تتعلم بجذرية أعمال الجيش الإسرائيلي وأساسا أن تضرب قواته مثلما حصل في محور نتساريم.
نمط المعركة الناشئ في غزة يتناسب والمفاهيم الأساس لحماس ويتعارض مع تلك الإسرائيلية. حماس تعمل في ضوء نظرية المقاومة، التي أساسها الصبر، الصمود وقدرة احتمال وامتصاص الخسائر دون حاجة لمراعاة وضع الجمهور. أما إسرائيل بالمقابل، فيصعب عليها تحقيق الحسم العسكري الكلاسيكي والمجتمع الإسرائيلي غير مبني لـ "معركة مفتوحة" ويبدي انتقادا متزايدا على المواجهة.
في الشرق الأوسط من الأفضل للمرء أن يكون واقعيا اكثر من أن يكون متفائلا: على الإسرائيليين أن يعترفوا بأنهم يقفون أمام مفترق طرق مشوه منذ بدأت إستراتيجية المرحلة الثالثة قبل نحو نصف سنة. يمكن تقويض حكم حماس لكن الأمر يستوجب احتلال كل قطاع غزة من خلال قوة عسكرية كبيرة – سواء لحاجة السيطرة ام للبقاء الطويل في المنطقة والذي بدونه لن تكون معالجة جذرية لحماس ولن ينشأ هناك بديل.
ولما كان لا يبدو أن لإسرائيل في هذه اللحظة قدرة أو رغبة في احتلال كامل، فإننا نوصي باختيار الصفقة رغم ثمنها الأليم: وقف الحرب (في هذه المرحلة)، وانسحاب من معظم القطاع. النقد الحاد على أن هذه هي "انهزامية" ينطوي على تنكر لانعدام جدوى السياسة الحالية التي لا تقرب تحقيق الأهداف الإستراتيجية للحرب، وتخلق فقط إحباطا متزايدا لدى الجمهور الإسرائيلي. عمليا، لا يوجد تناقض بين وقف نار في هذه اللحظة ومواصلة التمسك بهزيمة ساحقة لحماس: إنهاء الحرب سيسمح بالشفاء داخلي متعدد الأبعاد، بالتوازي مع بلورة خطط معمقة للقضاء على المنظمة وإعادة تصميم القطاع.

MENAFN23062024000072011014ID1108362824


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.