Friday, 02 December 2022 09:22 GMT

كلمات قد لا تؤخذ على محمل الجد.. لكنها بمثابة الإنذار ليائسين من الحياة

(MENAFN- Alghad Newspaper)

ربى الرياحي

عمان- لا أحد على الإطلاق يختار قدره، في حضرة الألم والحزن والفقد يقف كل شيء ساكنا. وجع الروح هو الأقسى والأصعب وقد تعجز كل كلمات اللغة عن تخفيفه أو إخماده، فهناك من يفكر بأن يعتزل العالم ويبقى ميتا على قيد الحياة، وهناك من يلجأ إلى وضع حد لكل الوجع الذي يعيشه، فيقرر إنهاء حياته، وسواء نجحت المحاولة أو بقيت مجرد محاولة فقط فإن الأضرار كبيرة حتما.
والنقطة الأهم أن من يقدم على فكرة الانتحار هو شخص يعاني بكل ما تحمله الكلمة من معنى رغم تعدد الأسباب، وصوله للاكتئاب والحزن الدائم والألم والخسارات المتكررة كلها إشارات تحذيرية تنذر بمدى استعداده لتلك الخطوة التي، ورغم صعوبتها، إلا أنها تظل الحل الوحيد في نظره، لذا لا بد من الانتباه أكثر، وذلك من خلال الاستماع للشخص المكتئب أو الحزين والاهتمام حرفيا بكل كلمة تصدر عنه وأخذها على محمل الجد مهما كانت الظروف.
“أنا تعبان كلنا تعبانين، الدنيا ضايقة علي وسعها، بدي أنتحر وخلص”.. كلمات قد لا نلقي لها بالا، لكنها كفيلة بأن تكون مؤشرا على حجم الألم الذي يشعر به الشخص، هذه الكلمات، ورغم استخفاف البعض بها، إلا أنها قد تأخذ القلب اليائس لنهايات مأساوية وغير متوقعة.
سماح عبد القادر (30 عاما)، تقول“في بعض الأوقات، وخاصة عندما نراهن على أشياء ونخسر الرهان، وعندما نشعر بأن جميع من نحبهم اتفقوا على ألا يفهمونا، تسود الحياة في أعيننا ويصبح كل شيء حولنا لا قيمة له، لا يعود هناك ما يغرينا أو حتى يحمسنا على أن نعيش”.
وتبين سماح أنها مرت بتجربة صعبة شعرت خلالها بالوجع والخيبة، فبعد انفصالها عن زوجها الذي كان بالنسبة لها الدنيا دخلت في حالة اكتئاب شديد، وخاصة أنها تركت دون أي ذنب لم تعرف السبب الذي طلقت من أجله. شعورها بأنها وحيدة وخوفها ممن حولها وقناعتها بأنه لا يوجد من تأتمنه على نفسها، كلها أمور دفعت بها للتفكير بالانتحار والخلاص من كل ما يؤلمها.
تقول“نحن لا نحزن على أشخاص، بل نتألم لأننا كنا صادقين أكثر من اللازم وأوفياء مع أشخاص لا يستحقون الحب الذي نكنه لهم”، مبينة أنها حاولت بأن تنهي حياتها مرتين نتيجة لليأس الشديد الذي كانت تعاني منه، لكن في كل مرة كانت عناية الله تنقذها لدرجة أنها بدأت تشعر بالخجل من الله، إضافة إلى أنها ندمت على كل ما كانت تفعله في حق نفسها وفي حق غيرها أيضا ومنهم عائلتها التي تحبها، وهنا تلفت سماح إلى أن وجود أختها الكبرى إلى جانبها هو ما قواها وأعاد إليها اتزانها، فهي دائما ما تنصت لها ولمشاعرها محاولة طمأنتها واحتواءها ومشاركتها كل ما يخطر على بالها ويصيبها بالحزن والضيق.
بينما عبير (26 عاما)، تبين أنها عاشت ثلاث سنوات تعتبرهن الأصعب في حياتها كلها، وهذا بعد وفاة طفلها الأول الذي لم يكن يبلغ من العمر سوى عام واحد، تقول بحسرة، لا أحد يعلم ماذا تخبئ له الحياة وماذا ينتظره من أحزان ووجع، والمؤلم حقيقة أن كل شيء يتغير بلحظة. مشيرة إلى أنها بعد تلك اللحظة القاسية تغيرت تماما، أصبحت شخصية منطفئة تبكي طوال الوقت حزينة لأقصى حد نسيت حتى كيف يكون طعم الفرح.
هي ومنذ ذلك الموقف أهملت نفسها وأيضا أهملت بيتها، لم تعد تكترث لشيء أبدا. وفي هذه الفترة، كانت تلجأ لمواقع التواصل الاجتماعي كثيرا، وتحديدا“فيسبوك”، لتبث همها ووجعها هناك لعلها تشعر بالراحة قليلا، فكانت كلماتها كلها حزينة وتظهر مدى يأسها من الدنيا. لكن صديقتها المقربة، كما تؤكد، لم تدع تلك الكلمات تمر مرور الكرام أو دون أن تقرأ ما وراءها من ألم.
تقول إنه كان لصديقتها الدور الأكبر في تخطيها تلك المحنة، وهي اليوم مدينة لها لكونها وقفت إلى جانبها وساعدتها وكانت ترافقها دائما في زياراتها للطبيبة النفسية التي هي أيضا سبب بعد الله في عودتها للحياة، منوهة إلى أن الوجع لا يمكن أن يزول تماما وإنما يمكننا أن نتناساه لنستطيع أن نعيش.
الاختصاصية النفسية الدكتورة عصمت حوسو، تبين أن بعض الكلمات، وخاصة في وقت الحزن، كالمرور بموقف صعب أو مصيبة ما تكون ردة فعل إنسانية طبيعية، لكن المشكلة في هذه الكلمات عندما تتكرر كثيرا، هنا تصبح مؤشرا خطيرا يكشف ما يجول في دماغ الشخص المحبط أو المكتئب، وهذا بالطبع يستدعي من المحيطين به التوقف وأخذ كلامه على محمل الجد، لأن الاكتئاب يعد ثاني مرض على مستوى العالم يسبب الوفاة بعد أمراض القلب.
وتلفت حوسو إلى أن الوعي أصبح أكبر في الفترة الأخيرة، بسبب تزايد حالات الانتحار، ويرجع ذلك لاعتبارات معينة، كالبلد وخصوصية الحالة وظروفها، كما أصبح هناك قدرة لدى الناس على التفريق بين الشخص المكتئب الذي من الممكن جدا أن يفكر بالانتحار ويقدم عليه وبين الشخص الحزين.
وحسب رأي حوسو، فإن تكرار الكلمات الدالة على الانتحار وسماع الأب والأم لها من أبنائهما، وخاصة إذا كانوا في سن المراهقة، ليس بالأمر العادي، بل قد يتحول إلى مشكلة كبيرة لا تحمد عقباها، لذا فمن الضروري جدا التنبه لحجم الخطر الذي يحيط بهم وما يترتب عليه من أضرار والمسارعة أيضا لتوعية هؤلاء الأبناء ومساعدتهم على التخلص من تلك الحالة السلبية التي يمرون بها لأسباب مختلفة. فتكرار مثل هذه الكلمات، بالتزامن مع بعض التصرفات غير الطبيعية كالحزن الدائم وإهمال النظافة الشخصية وعدم الرغبة بالحياة، كلها إشارات تنذر بوصول الشخص لمرحلة صعبة من الاكتئاب.
وتشدد حوسو على الاهتمام بكل الأعراض المرافقة لحالة الاكتئاب سواء كانت بسيطة أو متوسطة أو شديدة وعدم السكوت على ذلك الوضع رغم التأكد من كل المؤشرات.
تقول“ليس هناك ما يمنع من عرض الشخص المأزوم على طبيب نفسي حتى وإن لم ترافق الكلمات المحبطة بعض التصرفات الخطيرة لأننا بذلك قد ننقذ روحا ونعيدها للحياة من جديد. فمن المكتئبين من ينهي حياته بالموت ومنهم من تظل مجرد محاولة لكن حتى المحاولة، بحد ذاتها، قد تتسبب في أضرار نفسية وجسدية وأيضا اجتماعية”.
وأهمية التدخل الطبي، وفق حوسو، تكمن في مساعدة الشخص المكتئب على تخطي المرحلة بأسرع وقت، وخاصة إذا كانت الأعراض في بدايتها، كما تنوه إلى أن الشخص في حالة الاكتئاب تكون كيمياء الدماغ لديه مضطربة لا تعمل بشكل طبيعي وكما يجب، لذا هو بحاجة إلى أدوية تعيد تنظيمها. فإقدامه على الانتحار قد يكون ناتجا عن هذا السبب في بعض الأحيان وليس لأنه ضعيف أو ليس عنده دين. وتضيف“استخدام كلمات مثل“أنت بتزيدها، فش حدا غيرك تعبان، بتدلع، فش حدا متله حدا غيرك..” وتوجيهها للشخص المكتئب قد يضاعف من حزنه ويدفعه لأن يؤذي نفسه في الغالب. أما التدخل الدوائي فهو ضروري لأنه يعيد للهرمونات توازنها ويجعلها تعمل بشكل طبيعي، وهنا يصبح بمقدور الإنسان أن يتفاعل مع الأحداث بردات فعل تناسب الموقف، إضافة إلى أن الشخص المكتئب بحاجة إلى رعاية كبيرة من حيث إعطائه الدواء وتعديل سلوكه وأفكاره وإخراجه للحياة بالتدريج دون الضغط عليه”.

MENAFN06102022000072011014ID1104982320


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

النشرة الإخبارية