Friday, 02 December 2022 09:29 GMT

رحل عبد الناصر ولم يغب

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej)

قبل‭ ‬أيام،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬مرت‭ ‬الذكرى‭ ‬الــ‭ ‬52‭ ‬لرحيل‭ ‬الزعيم‭ ‬العربي‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬ذكرى‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬ميلادا‭ ‬ورحيلا،‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬رقم‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬العربية‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬التشويه‭ ‬والشطب‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬شخصية‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬الاستثنائي‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قيادته‭ ‬للمشروع‭ ‬التحرري‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي،‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬استهدفت،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬التصدي‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬الطموح‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬للنيل‭ ‬وزعزعة‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الجماهير‭ ‬العربية‭ ‬ولدى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬مختلف‭ ‬القارات،‭ ‬ولكن‭ ‬رغم‭ ‬شراسة‭ ‬هذه‭ ‬الحملات،‭ ‬فإن‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬خرج‭ ‬منها‭ ‬شامخا‭ ‬وبقي‭ ‬هذا‭ ‬الشموخ‭ ‬قائما‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬وفاته،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬صحة‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اختطه‭ ‬الزعيم‭ ‬وقيمة‭ ‬الإرث‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬وراءه‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الزعيم‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الارتباط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬مسيرته‭ ‬النضالية‭ ‬وثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬التي‭ ‬قاد‭ ‬مشروعها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬عاما‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬جسد‭ ‬ما‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬وطنية‭ ‬وقومية‭ ‬وعمل‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قيادته‭ ‬على‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬بقيت‭ ‬خالدة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يترجم‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الزعيم،‭ ‬فما‭ ‬حققته‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬بقيادة‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬تعدى‭ ‬كثيرا‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬المصرية،‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬إنجازات‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬لصالح‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬وخاصة‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقة‭ ‬الفقيرة‭ ‬من‭ ‬عمال‭ ‬وفلاحين‭ ‬انحصر‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬المصري،‭ ‬فإن‭ ‬تأثير‭ ‬الثورة‭ ‬عم‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬والأفريقية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القارات‭.‬

ليس‭ ‬بخافٍ‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬تلك‭ ‬المؤامرات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬وتعرضت‭ ‬لها‭ ‬حياة‭ ‬زعيمها‭ ‬شخصيا،‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يرق‭ ‬لها‭ ‬رؤية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سماع‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬الثورة‭ ‬وقائدها‭ ‬عن‭ ‬الطموح‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيقها،‭ ‬كون‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬تتعارض‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬القوى‭ ‬المعادية‭ ‬للثورة‭ ‬على‭ ‬تنفيذها،‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬ليست‭ ‬منحصرة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬المصري‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬الأخطر‭ ‬منها‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬فالمشاريع‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيقها،‭ ‬تتعارض‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬للشعب‭ ‬المصري‭ ‬والشعوب‭ ‬العربية‭.‬

عندما‭ ‬تحل‭ ‬ذكرى‭ ‬ميلاد‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬أو‭ ‬وفاته،‭ ‬وعندما‭ ‬تحتفل‭ ‬مصر‭ ‬الشقيقة‭ ‬بذكرى‭ ‬ثورة‭ ‬23‭ ‬يوليو،‭ ‬تكتشف‭ ‬مدى‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ذكرى‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬والثورة،‭ ‬تحتلها‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬عاصرت‭ ‬سنوات‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬القائد،‭ ‬وإن‭ ‬دل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬فإنما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬مصداقية‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬اتسمت‭ ‬بها‭ ‬سنوات‭ ‬قيادته‭ ‬للمشروع‭ ‬الوطني‭ ‬المصري‭ ‬وتبنيه‭ ‬بأمانة‭ ‬وشجاعة‭ ‬لقضايا‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬قضية‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬أولوياته‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬قدمت‭ ‬مصر‭ ‬تضحيات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أجلها‭.‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬واستحضار‭ ‬المآثر‭ ‬والإنجازات‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬قيادته‭ ‬للمشروع‭ ‬الوطني‭ ‬والقومي،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬الشعوب‭ ‬والبلدان‭ ‬العربية،‭ ‬ومنها‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬مصر،‭ ‬تمر‭ ‬بفترة‭ ‬مخاض،‭ ‬كانت‭ ‬عسيرة‭ ‬بالفعل‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬دفعت‭ ‬أثمانا‭ ‬باهظة‭ ‬خلال‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬كشرت‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬عن‭ ‬أنيابها‭ ‬ونواياها‭ ‬الخبيثة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬إعاقة‭ ‬وإفشال‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تحرر‭ ‬وطني،‭ ‬وتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬البكر‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬حين‭ ‬تعرضت‭ ‬للعدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬ومن‭ ‬خلفهما‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬ترجمة‭ ‬لتحالف‭ ‬الشر‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المعادية‭ ‬لتطلعات‭ ‬الشعوب‭.‬

عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬ليس‭ ‬قديسا،‭ ‬وسنوات‭ ‬قيادته‭ ‬للثورة‭ ‬ليست‭ ‬كلها‭ ‬ناصعة‭ ‬وخالية‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬والاخفاقات،‭ ‬فالأهداف‭ ‬كانت‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا،‭ ‬وما‭ ‬تحقق‭ ‬منها‭ ‬أيضا‭ ‬كبير‭ ‬وكثير،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجحف‭ ‬حق‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬في‭ ‬تبوؤ‭ ‬المنزلة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬وصل‭ ‬إليها،‭ ‬فهذه‭ ‬المنزلة‭ ‬لم‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬قلوب‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬وتمسكه‭ ‬بالمبادئ‭ ‬التي‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬ومصداقية‭ ‬هذه‭ ‬المواقف،‭ ‬بمثابة‭ ‬المصباح‭ ‬الذي‭ ‬يبدد‭ ‬الظلام‭ ‬الذي‭ ‬عاشت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الهيمنة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬على‭ ‬مقدراتها‭ ‬وحرمانها‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬بخيراتها‭ ‬وبنعمة‭ ‬استقلالها‭ ‬الوطني،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬28‭ ‬سبتمبر‭ ‬1970‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬الصدمة‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬تلقتها‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب،‭ ‬واعتبرها‭ ‬البعض‭ ‬بمثابة‭ ‬رصاصة‭ ‬الرحمة‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الناصري،‭ ‬لكن‭ ‬بقاء‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬يبدد‭ ‬ذلك‭.‬

MENAFN30092022000055011008ID1104952241


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

النشرة الإخبارية