Sunday, 02 October 2022 10:40 GMT

هل سقط «مبدأ بايدن» ؟

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej)



 

في‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬أمام‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أعاد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بايدن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬باعتبارها‭ ‬حربا‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬والدكتاتورية‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬المبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬أراد‭ ‬بايدن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬المبدأ‭ ‬الحاكم‭ ‬لسياسة‭ ‬إدارته‭ ‬الخارجية‭ ‬ونظرتها‭ ‬للعالم‭. ‬نعني‭ ‬تصوير‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والاستبداد،‭ ‬وبين‭ ‬النظم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والدكتاتورية‭. ‬بالتالي‭ ‬وفقا‭ ‬لهذا‭ ‬المبدأ‭ ‬فإن‭ ‬المهمة‭ ‬الأساسية‭ ‬للإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬والتصدي‭ ‬للنظم‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬أمريكا‭ ‬استبدادية‭. ‬ونعلم‭ ‬أنه‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭ ‬عقد‭ ‬بايدن‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬القمة‭ ‬العالمية‭ ‬للديمقراطية‭.‬

القضية‭ ‬كانت‭ ‬موضع‭ ‬جدل‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المحللين‭ ‬والباحثين‭ ‬الأمريكيين‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والتحليلات‭ ‬وضعت‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‭ ‬تحت‭ ‬مجهر‭ ‬النقد‭ ‬والمراجعة‭. ‬كثيرون‭ ‬اعتبروا‭ ‬أن‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‭ ‬سقط‭ ‬وفشل،‭ ‬ودللوا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بمنطلقات‭ ‬ولأسباب‭ ‬متباينة‭ ‬مختلفة‭.‬

القضية‭ ‬تهمنا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬فنحن‭ ‬كنا‭ ‬ومازلنا‭ ‬أكبر‭ ‬ضحايا‭ ‬استراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬بايدن‭ ‬جعلها‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬لسياسة‭ ‬إدارته‭ ‬الخارجية‭.‬

سنتوقف‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخصوص،‭ ‬وسنتوقف‭ ‬خصوصا‭ ‬عند‭ ‬أهم‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬القضية‭ ‬ثم‭ ‬سنرى،‭ ‬أين‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا‭.‬

}}}

سقوط‭ ‬المبدأ

مجلة‭ ‬‮«‬ناشيونال‭ ‬انترست‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬المعروفة‭ ‬نشرت‭ ‬تحليلا‭ ‬مطولا‭ ‬عما‭ ‬أسمته‭ ‬مباشرة‭ ‬‮«‬سقوط‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‮»‬‭ ‬كتبه‭ ‬دان‭ ‬نجريا‭ ‬مدير‭ ‬مركز‭ ‬الحرية‭ ‬التابع‭ ‬للمجلس‭ ‬الأطلنطي‭ ‬والذي‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬ممثل‭ ‬خاص‭ ‬للشؤون‭ ‬التجارية‭ ‬والأعمال‭ ‬بوزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وعضوا‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬التخطيط‭ ‬السياسي‭ ‬بالوزارة‭.‬

التحليل‭ ‬يقول‭ ‬مباشرة‭ ‬إن‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أثبتت‭ ‬سقوط‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬وإنها‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬سياساتها،‭ ‬وخاصة‭ ‬تصنيف‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬ديمقراطية‭ ‬وأخرى‭ ‬دكتاتورية‭ ‬مستبدة،‭ ‬وما‭ ‬تتبناه‭ ‬إدارته‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يشهد‭ ‬حربا‭ ‬بين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬والمستبدين‭. ‬وبين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والدكتاتورية‭.‬

يقول‭ ‬كاتب‭ ‬التحليل‭ ‬إن‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أثبتت‭ ‬خطأ‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬وأنه‭ ‬غير‭ ‬مقنع،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬زاويتين‭:‬

من‭ ‬جانب‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬الأمن‭ ‬الأمريكي‭ ‬وربما‭ ‬الأمن‭ ‬العالمي‭ ‬ليس‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬والاستبداد‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وإنما‭ ‬يأتي‭ ‬التهديد‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنهما‭ ‬دولتان‭ ‬مستبدتان‭ ‬وإنما‭ ‬لأنهما‭ ‬دولتان‭ ‬مستبدتان‭ ‬قويتان‭ ‬وعدوانيتان‭ ‬وتوسعيتان‭ ‬تهددان‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬باستخدام‭ ‬قدراتهما‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬وممارساتهما‭ ‬التجارية‭ ‬غير‭ ‬العادلة‭ ‬وبتهديد‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬يشير‭ ‬التحليل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬انتقدت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭ ‬والصديقة‭ ‬مثل‭ ‬بولندا‭ ‬وتركيا‭ ‬والهند‭ ‬وتايلاند‭ ‬وفيتنام‭ ‬والسعودية‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬قضايا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وثبت‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬خطأ‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬بايدن‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مواجهتها‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬يدعو‭ ‬كاتب‭ ‬التحليل‭ ‬المحلل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬استدعاء‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬الحر‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬تعريفه‭ ‬ليشمل‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬استقلالها‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬الصينية‭ ‬أو‭ ‬الروسية‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬ديمقراطية‭ ‬أو‭ ‬دكتاتورية‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يمكن‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مواصلة‭ ‬تشجيع‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الهادئة‭.‬

كما‭ ‬نرى،‭ ‬يبني‭ ‬التحليل‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬بسقوط‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬أمريكا‭ ‬والعالم‭ ‬ليس‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬والاستبداد،‭ ‬وانما‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الصراع‭ ‬هو‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنحاز‭ ‬الى‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬الصين‭ ‬ويجب‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭.‬

والحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬هكذا‭. ‬نعني‭ ‬أن‭ ‬فشل‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‭ ‬واستراتيجيته‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬ناقشناها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تحليل‭.‬

وعلى‭ ‬أي‭ ‬حال‭ ‬فقد‭ ‬تولت‭ ‬دراسات‭ ‬أمريكية‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭ ‬مهمة‭ ‬دراسة‭ ‬استراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬جوانبها،‭ ‬وأثبتت‭ ‬فشلها‭ ‬من‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬معينة‭. ‬

ونتوقف‭ ‬عند‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬

}}}

استراتيجية‭ ‬ثابتة

من‭ ‬أهم‭ ‬وأعمق‭ ‬وأشمل‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬حول‭ ‬قضية‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكا‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأبعادها‭ ‬المختلفة‭ ‬دراسة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الكبرى‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‮»‬،‭ ‬كتبها‭ ‬ديفيد‭ ‬هندرسون‭ ‬رئيس‭ ‬جمعية‭ ‬كوينشي‭ ‬آدامز‭ ‬المعنية‭ ‬بقضايا‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭.‬

تستعرض‭ ‬الدراسة‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬أساسي‭ ‬بداية‭ ‬تطور‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬عبر‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭.‬

تقول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كان‭ ‬دوما‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬أبعاد‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكا‭ ‬خلال‭ ‬الأربعين‭ ‬عاما‭ ‬الماضية‮»‬‭.‬

عبر‭ ‬هذه‭ ‬العقود‭ ‬اتخذت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أبعادا‭ ‬وأشكالا‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنها‭ ‬مرت‭ ‬خصوصا‭ ‬بأربع‭ ‬مراحل‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬عهود‭ ‬إدارات‭ ‬كل‭ ‬من،‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان،‭ ‬وبيل‭ ‬كيلنتون،‭ ‬وجورج‭ ‬بوش،‭ ‬وبايدن،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭.‬

‭**‬ ‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬ريجان،‭ ‬كانت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تقوم‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬المتمردين‭ ‬على‭ ‬النظم‭ ‬الشيوعية‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مثل،‭ ‬نيكاراجوا،‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬وأنجولا،‭ ‬وكمبوديا‭.‬

جورج‭ ‬شولتز‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬فلسفة‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بالقول‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬من‭ ‬الواجب‭ ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬بجانب‭ ‬قوى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وسيكون‭ ‬من‭ ‬العار‭ ‬خيانة‭ ‬شعوب‭ ‬مثل‭ ‬الأفغان‭ ‬وشعب‭ ‬نيكاراجوا‭ ‬وكمبوديا‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬قامت‭ ‬إدارة‭ ‬ريجان‭ ‬بنقل‭ ‬الأسلحة‭ ‬وتقديم‭ ‬سبل‭ ‬التمويل‭ ‬والدعم‭ ‬الأخرى‭ ‬للمتمردين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭.‬

‭**‬ ‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬كلينتون‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬للإدارة‭ ‬هو‭ ‬زيادة‭ ‬أعداد‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنتهج‭ ‬الليبرالية‭ ‬والسوق‭ ‬الحر‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬أكبر‭ ‬ما‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬الإدارة‭ ‬الحملة‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬لتوسيع‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬نحو‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا‭. ‬وكان‭ ‬معنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬التعهد‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬قطعته‭ ‬للزعيم‭ ‬السوفيتي‭ ‬ميخائيل‭ ‬جورباتشوف‭ ‬بعدم‭ ‬توسيع‭ ‬الناتو‭ ‬‮«‬ولو‭ ‬ببوصة‭ ‬واحدة‭ ‬شرقا‮»‬‭.‬

‭**‬ ‭ ‬وفي‭ ‬عهد‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن،‭ ‬بلغت‭ ‬استراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الذروة‭ ‬وأصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬شمولا‭ ‬واتخذت‭ ‬أبعادا‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

كان‭ ‬المبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬تبنته‭ ‬إدارة‭ ‬بوش‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الجبهات‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬نشر‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭.‬

كان‭ ‬بوش‭ ‬يعتقد‭ ‬أو‭ ‬يروج‭ ‬لزعم‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬لبقاء‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬نفسها‭.‬

لهذا‭ ‬قامت‭ ‬سياسة‭ ‬بوش‭ ‬بهذا‭ ‬الصدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدعم‭ ‬كل‭ ‬الحركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والمنظمات‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬والثقافات‭.‬

‭**‬ ‭ ‬وفي‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن،‭ ‬أعلنت‭ ‬الإدارة‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬الأساسي‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭ ‬هو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاستبداد‭.‬

ولهذا‭ ‬الغرض،‭ ‬خصصت‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬مبلغ‭ ‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬تحت‭ ‬بند‭ ‬‮«‬بناء‭ ‬ونشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‮»‬‭. ‬واعتبرت‭ ‬الإدارة‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬مبلغ‭ ‬زهيد‭ ‬جدا‭ ‬مقارنة‭ ‬بالهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬المنشود‭.‬

}}}

أساليب‭ ‬لا‭ ‬أخلاقية

تنتقل‭ ‬الدراسة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬الأساليب‭ ‬التي‭ ‬اتبعتها‭ ‬أمريكا‭ ‬لتنفيذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬هذه،‭ ‬وتخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬فشلت‭. ‬تقول‭ ‬الدراسة‭ ‬إنه‭ ‬عبر‭ ‬كل‭ ‬عهود‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأربعة‭ ‬الماضية،‭ ‬اتبعت‭ ‬أمريكا‭ ‬ثلاث‭ ‬وسائل‭ ‬كبرى‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ولتنفيذ‭ ‬مخططاتها‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص،‭ ‬هي‭: ‬الإملاء‭ ‬والتوجيه،‭ ‬والغزو‭ ‬العسكري،‭ ‬والعقوبات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأسلوب‭ ‬الأول‭ ‬ـ‭ ‬أي‭ ‬الإملاء‭ ‬والتوجيه،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1983‭ ‬إنشاء‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للمنح‭ ‬الديمقراطية‭ (‬ان‭ ‬آي‭ ‬دي‭) ‬لدعم‭ ‬ومساعدة‭ ‬الحركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والجماعات‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬أمريكا‭ ‬تشجيعها‭ ‬والترويج‭ ‬لها‭ ‬تحت‭ ‬زعم‭ ‬انها‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭.‬

كما‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬المعهد‭ ‬الديمقراطي‭ ‬والمعهد‭ ‬الجمهوري‭ ‬ومؤسسات‭ ‬أخرى‭ ‬لنفس‭ ‬الغرض‭.‬

تقول‭ ‬الدراسة‭ ‬إن‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأنشطة‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬والدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬انتهى‭ ‬بها‭ ‬ليس‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬حركات‭ ‬متمردة‭ ‬وقوى‭ ‬انقلابية‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬إطلاقا‭.‬

وأحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ -‬كما‭ ‬تشير‭ ‬الدراسة‭- ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭. ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬كما‭ ‬قالت‭ ‬فيكتوريا‭ ‬نولاند‭ ‬مساعدة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬أنفقت‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لدعم‭ ‬انقلاب‭ ‬2014‭ ‬الذي‭ ‬أطاح‭ ‬بحكومة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬منتخبة‭.‬

طبعا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬عموما‭ ‬نعلم‭ ‬جيدا‭ ‬الدور‭ ‬التخريبي‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ودعمها‭ ‬لحركات‭ ‬وقوى‭ ‬طائفية‭ ‬ودينية‭ ‬متطرفة‭ ‬تتبنى‭ ‬أجندات‭ ‬تخريبية،‭ ‬وهو‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬2011‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الوسيلة‭ ‬الثانية،‭ ‬أي‭ ‬الغزو‭ ‬العسكري،‭ ‬فقد‭ ‬شنت‭ ‬أمريكا‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬حروبا‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وليبيا‭ ‬وكلها‭ ‬تحت‭ ‬زعم‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

معروف‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬الدراسة‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬انتهى‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬غزتها‭ ‬أمريكا‭ ‬ليس‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬ديمقراطية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وإنما‭ ‬الى‭ ‬الفوضى‭ ‬وتدمير‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬وإلى‭ ‬مآس‭ ‬عانت‭ ‬منها‭ ‬شعوب‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭.‬

بالطبع‭ ‬معروف‭ ‬تفصيلا‭ ‬ما‭ ‬حل‭ ‬بأفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬بالذات‭ ‬من‭ ‬خراب‭ ‬وضياع‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الوسيلة‭ ‬الثالثة،‭ ‬أي‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فقد‭ ‬لجأت‭ ‬أمريكا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬لمعاقبة‭ ‬دول‭ ‬تحت‭ ‬زعم‭ ‬انتهاكات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬الدول‭ ‬الخاضعة‭ ‬لعقوبات‭ ‬أمريكية‭ ‬20‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭.‬

وانتهى‭ ‬بها‭ ‬الأمر‭ ‬أيضا‭ ‬بحسب‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬العقوبات‭ ‬أداة‭ ‬لمعاقبة‭ ‬دول‭ ‬تعارض‭ ‬أمريكا‭ ‬وسياساتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للأمر‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬بالديمقراطية‭.‬

}}}

خلاصات‭ ‬مهمة

على‭ ‬هذه‭ ‬النحو‭ ‬إذن‭ ‬استعرضت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬المهمة‭ ‬استراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وتطورها‭ ‬وأبعادها‭ ‬وكيف‭ ‬انتهت‭ ‬إلى‭ ‬الفشل‭.‬

وتنتهي‭ ‬الدراسة‭ ‬بخمس‭ ‬خلاصات‭ ‬مهمة‭ ‬تلخص‭ ‬ما‭ ‬ذهبت‭ ‬إليه‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

1‭ - ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬وضعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هدف‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬باعتباره‭ ‬أكبر‭ ‬هدف‭ ‬لسياستها‭ ‬الخارجية‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬مزاعم‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬حول‭ ‬الصراع‭ ‬العالمي‭ ‬بين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والاستبداد‭ ‬ليس‭ ‬أمرا‭ ‬جديدا‭. ‬هو‭ ‬شعار‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬جديد‭.‬

2‭ - ‬أن‭ ‬قول‭ ‬قادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إن‭ ‬سعيهم‭ ‬لنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬التقاليد‭ ‬الليبرالية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وقيامهم‭ ‬بتسويق‭ ‬سياساتهم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬ليس‭ ‬صحيحا‭. ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬مبادئ‭ ‬القادة‭ ‬المؤسسين‭ ‬ويتجاهل‭ ‬مبادئ‭ ‬السيادة‭ ‬والاستقلال‭ ‬الوطني‭ ‬للدول،‭ ‬ويتناقض‭ ‬مع‭ ‬مبادئ‭ ‬الرئيسين‭ ‬وودرو‭ ‬ويلسون‭ ‬وفرانكلين‭ ‬روزفلت‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬رأيهما‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تنتشر‭ ‬بتقديم‭ ‬القدوة‭ ‬الحسنة‭ ‬وليس‭ ‬بالقوة‭ ‬أو‭ ‬بالإكراه‭ ‬والإجبار‭.‬

3‭ - ‬أن‭ ‬كل‭ ‬محاولات‭ ‬أمريكا‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬تسميه‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وإجبار‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تزعم‭ ‬أنه‭ ‬ديمقراطية‭ ‬بالإملاء،‭ ‬أو‭ ‬بالحروب‭ ‬والغزو‭ ‬العسكري‭ ‬أو‭ ‬بفرض‭ ‬العقوبات،‭ ‬قد‭ ‬انتهت‭ ‬جميعها‭ ‬إلى‭ ‬الفشل‭ ‬الذريع،‭ ‬وأحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الأساسية‭ ‬لذلك‭ ‬أنها‭ ‬تتناقض‭ ‬بشكل‭ ‬صارخ‭ ‬مع‭ ‬مبادئ‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬والاستقلال‭ ‬الوطني‭ ‬للدول‭.‬

4‭ - ‬أن‭ ‬محاولات‭ ‬أمريكا‭ ‬اليوم‭ ‬تصوير‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬بنشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنها‭ ‬مصلحة‭ ‬أمريكية‭ ‬تتجاهل‭ ‬مشاكل‭ ‬وأزمات‭ ‬أمريكا‭ ‬الحقيقية‭ ‬وأزمات‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬إشعال‭ ‬حروب‭ ‬دائمة‭ ‬تهدد‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭.‬

5‭ - ‬ان‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ترفض‭ ‬مسألة‭ ‬تغيير‭ ‬الأنظمة‭ ‬بالقوة‭ ‬وأن‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬والاستقلال‭ ‬الوطني‭ ‬للدول‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أمريكا‭ ‬أن‭ ‬الإطاحة‭ ‬بنظم‭ ‬الحكم‭ ‬بالقوة‭ ‬هي‭ ‬طريق‭ ‬للفوضى‭ ‬ونقيض‭ ‬للسلام‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وهما‭ ‬أمران‭ ‬أساسيان‭ ‬لتوفير‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬المواتية‭ ‬لنمو‭ ‬الديمقراطية‭.‬

 }}}

أين‭ ‬الحقيقة؟

أين‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجدل؟‭.. ‬هل‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬استراتيجية‭ ‬للتدمير‭ ‬والتخريب‭ ‬قد‭ ‬فشلت؟‭.. ‬واذا‭ ‬افترضنا‭ ‬أنها‭ ‬فشلت‭.. ‬فهل‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عنها‭ ‬نهائيا؟

الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬أمر‭ ‬مهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬فبناء‭ ‬عليه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نبني‭ ‬حساباتنا‭.‬

بداية‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬المحللين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الذي‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‭ ‬واستراتيجية‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬يفعلون‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬منطلقات‭ ‬مبدئية‭ ‬بالضرورة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬منطلقين‭ ‬أساسيين‭:‬

الأول‭: ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬فعلا‭ ‬وفي‭ ‬ترسيخ‭ ‬الحريات‭ ‬أو‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬استهدفتها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الفوضى‭ ‬والدمار‭ ‬والخراب‭.‬

والثاني‭: ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬المصلحة‭ ‬القومية‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقتضي‭ ‬اتباع‭ ‬استراتيجية‭ ‬أخرى‭ ‬وغضّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والاستبداد،‭ ‬وتحكيم‭ ‬اعتبارات‭ ‬أخرى‭.‬

هذه‭ ‬النظرة‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬كانت‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬العقود‭ ‬تريد‭ ‬حقا‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬عبر‭ ‬استراتيجيتها‭.‬

وهذا‭ ‬ليس‭ ‬صحيحا‭.‬

حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتطرق‭ ‬إليها‭ ‬أغلب‭ ‬المحللين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬لم‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬حقا‭ ‬ولا‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬الفوضى‭ ‬والخراب‭ ‬وتدمير‭ ‬الدول‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وما‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬سوى‭ ‬غطاء‭ ‬كاذب‭ ‬لهذا‭ ‬الهدف‭ ‬الحقيقي‭. ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬أبلغ‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

نريد‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكية‭ ‬ثابتة‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬ولن‭ ‬تتغير‭. ‬ويجب‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأساسية‭ ‬هي‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والتخطيط‭ ‬لتنفيذها،‭ ‬وهي‭ ‬مؤسسات‭ ‬راسخة‭.‬

باختصار‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬لن‭ ‬تفوّت‭ ‬فرصة‭ ‬واحدة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬الفوضى‭ ‬والتدمير‭ ‬والتخريب‭ ‬في‭ ‬دولنا‭ ‬العربية‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬نشر‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬شعار‭ ‬آخر‭.‬

لكل‭ ‬هذا‭ ‬سيكون‭ ‬خطأ‭ ‬فادحا‭ ‬لو‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬مبدأ‭ ‬بايدن‭ ‬سقط‭ ‬فعلا‭ ‬أو‭ ‬فشل،‭ ‬وأن‭ ‬أمريكا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬هذه‭.‬

MENAFN23092022000055011008ID1104916820


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.