Friday, 19 August 2022 03:07 GMT

مغامرة أمريكية فاشلة استراتيجيا

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej)

من‭ ‬الطبيعي‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬تثير‭ ‬زيارة‭ ‬نانسي‭ ‬بيلوسي‭ ‬لجزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية‭ ‬غضبا‭ ‬شديدا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬تعد‭ ‬انتهاكا‭ ‬صارخا‭ ‬للسيادة‭ ‬الصينية‭ ‬باعتبار‭ ‬الجزيرة‭ ‬أرضا‭ ‬صينية‭ ‬وفقا‭ ‬للشرائع‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تعترف‭ ‬بصين‭ ‬واحدة‭ ‬وهي‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثل‭ ‬الأمة‭ ‬الصينية‭ ‬منذ‭ ‬صدور‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2758‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1971‭ ‬بإقصاء‭ ‬تايوان‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنح‭ ‬مقعدها‭ ‬لجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية،‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬فإن‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تقريبا‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬سوى‭ ‬بصين‭ ‬واحدة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬تايوان‭ ‬بمثابة‭ ‬عقبة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬التطور‭ ‬السلمي‭ ‬السريع‭ ‬للصين‭ ‬الشعبية‭ ‬ومحاولة‭ ‬واشنطن‭ ‬عرقلة‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬بشتى‭ ‬الوسائل،‭ ‬ومنها‭ ‬المسألة‭ ‬التايوانية‭.‬

فزيارة‭ ‬بيلوسي‭ ‬لتايوان،‭ ‬ليست‭ ‬زيارة‭ ‬عادية،‭ ‬كما‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬أو‭ ‬ممثلي‭ ‬المنظمات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فهي‭ ‬بصفتها‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب،‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الدولة‭ ‬الأساسيين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬القادة‭ ‬الصينيين‭ ‬تعتبر‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الصين‭ ‬الواحدة‭ ‬التي‭ ‬تعلن‭ ‬أمريكا‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬متمسكة‮»‬‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬تعتبر‭ ‬خرقا‭ ‬للبيان‭ ‬الصيني‭ ‬الأمريكي‭ ‬المشترك‭ ‬بشأن‭ ‬إقامة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬والذي‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تعترف‭ ‬واشنطن‭ ‬ببكين‭ ‬باعتبارها‭ ‬الحكومة‭ ‬الشرعية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الصين‭.‬

هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الأمريكية‭ ‬وعلاقات‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬مع‭ ‬تايوان،‭ ‬لم‭ ‬تتبلور‭ ‬بعد‭ ‬ولم‭ ‬تتضح‭ ‬معالم‭ ‬الردود‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الانتهاك‭ ‬الخطير‭ ‬لسيادتها،‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬ستصبح‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬لأكبر‭ ‬شخصية‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تزور‭ ‬رسميا‭ ‬الجزيرة‭ ‬منذ‭ ‬25‭ ‬عاما،‭ ‬فردود‭ ‬الأفعال‭ ‬الصينية‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بقيت‭ ‬ملتزمة‭ ‬بعدم‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬الكبير،‭ ‬فهذه‭ ‬المناورات‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬شواطئ‭ ‬الجزيرة،‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الرد‭ ‬الصيني‭ ‬المرتقب،‭ ‬بكثر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬رسالة‭ ‬للانفصاليين‭ ‬في‭ ‬تايوان‭ ‬من‭ ‬مغبة‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬توجهاتهم‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الآخر،‭ ‬أي‭ ‬صوب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬واي‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬تغازل‭ ‬الانفصاليين‭ ‬التايوانيين،‭ ‬بأن‭ ‬مسألة‭ ‬تايوان‭ ‬بالنسبة‭ ‬للصين‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للمساومة،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬تزامن‭ ‬الإعلان‭ ‬الأمريكي‭ ‬بتصفية‭ ‬زعيم‭ ‬تنظيم‭ ‬القاعدة‭ ‬الإرهابي‭ ‬أيمن‭ ‬الظواهري‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬إصرار‭ ‬رئيسة‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬خططها‭ ‬لزيارة‭ ‬الجزيرة‭ ‬الصينية،‭ ‬يفهم‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬محاولة‭ ‬لتحسين‭ ‬الوضع‭ ‬الانتخابي‭ ‬للحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الأمريكي‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬النصفية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم،‭ ‬حيث‭ ‬تدل‭ ‬المؤشرات‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬شعبية‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬وإمكانية‭ ‬فقدانهم‭ ‬الأغلبية‭ ‬في‭ ‬مجلسي‭ ‬الشيوخ‭ ‬والنواب،‭ ‬لكن‭ ‬تحسين‭ ‬وضع‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬هذه‭ ‬المغامرة‭ ‬السياسية‭ ‬الخطيرة،‭ ‬هو‭ ‬خطوة‭ ‬غير‭ ‬صائبة،‭ ‬وخاصة‭ ‬ان‭ ‬الناخب‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬تهمه‭ ‬كثيرا‭ ‬أداء‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخارجية،‭ ‬وإنما‭ ‬أوضاعه‭ ‬المعيشية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الداخلية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

أيًّا‭ ‬تكن‭ ‬الدوافع‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬زيارة‭ ‬بيلوسي‭ ‬لجزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية،‭ ‬فإن‭ ‬تصريح‭ ‬المسؤولة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بأن‭ ‬زيارتها‭ ‬جاءت‭ ‬لتأكيد‭ ‬‮«‬التزام‮»‬‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬بدعم‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجزيرة،‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬شعارات‭ ‬مألوفة‭ ‬تقف‭ ‬وراءها‭ ‬أهداف‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالاستراتيجية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬ورقة‭ ‬تايوان‭ ‬حاضرة‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬جهودها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬الانطلاقة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬الصينية،‭ ‬فالإدارات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬الجمهورية‭ ‬منها‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬لأن‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأولى‭ ‬عالميا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الجهود‭ ‬الأمريكية‭ ‬تنصب‭ ‬حاليا‭ ‬على‭ ‬إبطاء‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الحتمي،‭ ‬بعد‭ ‬التيقن‭ ‬من‭ ‬استحالة‭ ‬إفشاله‭.‬

يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬اللعب‭ ‬بالورقة‭ ‬التايوانية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الصين‭ ‬وعرقلة‭ ‬انطلاقتها،‭ ‬هي‭ ‬ورقة‭ ‬خاسرة‭ ‬تماما،‭ ‬فالسياسة‭ ‬الصينية‭ ‬تتسم‭ ‬بالحكمة‭ ‬والعقلنة‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تنجر‭ ‬وراء‭ ‬المغامرات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬العسكرية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬بل‭ ‬ومن‭ ‬السذاجة،‭ ‬تفسير‭ ‬عدم‭ ‬لجوء‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬لوقف‭ ‬وإبطال‭ ‬زيارة‭ ‬بيلوسي‭ ‬للجزيرة‭ ‬الصينية،‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ضعف‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الجدية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموقفها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬من‭ ‬الجزيرة،‭ ‬فالاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لمدى‭ ‬جدية‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬مسألتين،‭ ‬الأولى‭ ‬إعلان‭ ‬الجزيرة‭ ‬استقلالها،‭ ‬أو‭ ‬نزول‭ ‬قوات‭ ‬أجنبية‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬وهذا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬الصين‭ ‬مواصلة‭ ‬عملية‭ ‬البناء‭ ‬والتطوير،‭ ‬ولكل‭ ‬حادث‭ ‬حديث‭. ‬

MENAFN05082022000055011008ID1104654502


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.