Wednesday, 17 August 2022 07:29 GMT

تونس في الطريق إلى الجمهورية الثالثة

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej)

تتجه‭ ‬تونس‭ ‬الشقيقة‭ ‬حثيثا‭ ‬نحو‭ ‬الاستفتاء‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬إعلان‭ ‬مسودته‭ ‬مؤخرا‭ ‬وتضمن‭ ‬تعديلات‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬دستور‭ ‬2014‭ ‬الذي‭ ‬يوصف‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬بأنه‭ ‬دستور‭ ‬فاشل‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬مشكلات‭ ‬لا‭ ‬أول‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬آخر ‭,‬ ‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬تنازع‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬السلطات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬توزيعها‭ ‬بين‭ ‬البرلمان‭ ‬ورئاسة‭ ‬الدولة‭ ‬ورئاسة‭ ‬الوزراء ‭,‬ ‭ ‬فالجميع‭ ‬يحكمون‭ ‬ولا‭ ‬يحكمون‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الدولة‭ ‬وضعفها‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬شهده‭ ‬البرلمان‭ ‬التونسي‭ ‬خلال‭ ‬العشرية‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬أغلب‭ ‬التونسيين‭ ‬بأنها‭ ‬عشرية‭ ‬سوداء‭ ‬من‭ ‬صراخ‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬الجسدية‭ ‬والاعتداء‭ ‬بالعنف‭ ‬وتبادل‭ ‬السباب‭ ‬والشتائم،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬إفساد‭ ‬صورة‭ ‬هذا‭ ‬البرلمان‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬مشرعا‭ ‬أمام‭ ‬أمرين‭ ‬أساسيين‭ ‬أديا‭ ‬الى‭ ‬تعليق‭ ‬أعماله‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬حله‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭.‬

الأول‭: ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬بفضل‭ ‬الحصانة‭ ‬البرلمانية‭ ‬ورفض‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬راشد‭ ‬الغنوشي‭ ‬رفع‭ ‬الحصانة‭ ‬عن‭ ‬النواب‭ ‬الذين‭ ‬خالفوا‭ ‬القانون‭ ‬أو‭ ‬ارتكبوا‭ ‬جرائم‭ ‬كي‭ ‬ينظر‭ ‬القضاء‭ ‬فيهم‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التقارير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النواب‭ ‬متهمون‭ ‬بالفساد‭ ‬وتجاوز‭ ‬القانون‭ ‬مما‭ ‬أشاع‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬التونسي‭ ‬أن‭ ‬عضوية‭ ‬البرلمان‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬مظلة‭ ‬أو‭ ‬ستار‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الحصانة‭ ‬وتجنب‭ ‬المحاسبة ‭,‬ ‭ ‬ولذلك‭ ‬فقد‭ ‬هذا‭ ‬البرلمان‭ ‬ورئيسه‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬مصداقيته‭ ‬لدى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬التونسي‭.‬

الثاني‭: ‬نشوء‭ ‬ثقافة‭ ‬المحاصصة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الحياة‭ ‬البرلمانية‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬تقاسم‭ ‬السلطة‭ ‬والثروة‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬المغانم‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬خطير‭ ‬كتب‭ ‬عنه‭ ‬الكثير‭ ‬وأثير‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬إلى‭ ‬أثرياء‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬حزب‭ ‬النهضة‭ ‬وحلفائه‭.‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬هذين‭ ‬الأمرين‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬التونسيون‭ ‬‮«‬بالسياحة‭ ‬الحزبية‮»‬‭ ‬بحيث‭ ‬يتلاعب‭ ‬السياسيون‭ ‬في‭ ‬الكتل‭ ‬الانتخابية‭ ‬بمقاعدهم‭ ‬بيعا‭ ‬وشراء‭ ‬بالانتقال‭ ‬من‭ ‬كتلة‭ ‬إلى‭ ‬كتلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصلحة‭ ‬أو‭ ‬جني‭ ‬أرباح‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مبالغ‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬مثلما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الصحافة‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭.‬

واشتد‭ ‬الوضع‭ ‬سوءا‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬انتخابات‭ ‬2019‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬إنتاج‭ ‬الأزمة،‭ ‬ومن‭ ‬مظاهر‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬رئاسة‭ ‬البلاد‭ ‬ورئاسة‭ ‬البرلمان‭ ‬والاختلاف‭ ‬جذريا‭ ‬حول‭ ‬الأولويات‭ ‬والثوابت‭. ‬وبدأ‭ ‬الناس‭ ‬يتكلمون‭ ‬لرئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تدب‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬السياسي‭ ‬التونسي‭. ‬وتصادف‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬أزمتين‭ ‬خانقتين‭ ‬هما‭ ‬أزمة‭ ‬كورونا‭ ‬التي‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬ألفا‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ضحايا‭ ‬فشل‭ ‬حكومة‭ ‬المشيشي‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬حزب‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬وفشل‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬فشلا‭ ‬ذريعا‭ ‬اغرقت‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الحزن‭ ‬والشعور‭ ‬باليأس ‭,‬ ‭ ‬وترافق‭ ‬ذلك‭ ‬أيضا‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والفوضى‭ ‬والفساد‭ ‬وعجز‭ ‬المنظومة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬دستور‭ ‬2014‭ ‬عن‭ ‬معالجة‭ ‬القضايا‭ ‬الأساسية‭ ‬والأولويات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬غابت‭ ‬عن‭ ‬اجندات‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬جل‭ ‬ما‭ ‬يهمها‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬المكاسب‭ ‬والمغانم‭ ‬المادية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

ولذلك‭ ‬نفهم‭ ‬الأحداث‭ ‬اللاحقة‭ ‬بعد‭ ‬القرار‭ ‬التاريخي‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬استجابة‭ ‬للإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬يوليو‭ ‬2021‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬أنهت‭ ‬هذا‭ ‬البرلمان‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يشكل‭ ‬عبئا‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬وإنقاذا‭ ‬للبلاد‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬كانت‭ ‬متوقعة،‭ ‬حيث‭ ‬خرج‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬يوليو‭ ‬2021‭ ‬وبدأوا‭ ‬بإحراق‭ ‬مقرات‭ ‬حزب‭ ‬النهضة‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬التونسية‭ ‬المختلفة‭ ‬وجاء‭ ‬قرار‭ ‬سعيد‭ ‬لينقذ‭ ‬حركة‭ ‬النهضة‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬الناس‭ ‬وينقذ‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬نفهم‭ ‬أيضا‭ ‬القرارات‭ ‬اللاحقة‭ ‬التي‭ ‬اتخذها‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬لتصحيح‭ ‬المسار‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬الجمهورية‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحوار‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬دستور‭ ‬جديد‭ ‬نشرت‭ ‬مسودته‭ ‬في‭ ‬الجريدة‭ ‬الرسمية‭ ‬مؤخرا‭ ‬ليتم‭ ‬عرضه‭ ‬على‭ ‬الاستفتاء‭ ‬يوم‭ ‬25‭ ‬من‭ ‬الشهر‭ ‬الجاري‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬لم‭ ‬يتجه‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬كاملة‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬إصلاح‭ ‬ولا‭ ‬ترقيع‭ ‬ولا‭ ‬ترميم‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬المختل‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬حزب‭ ‬النهضة ‭,‬ ‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬لحظة‭ ‬الاستفتاء‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬لتونس‭ ‬الشقيقة‭ ‬وشعبها‭ ‬بحيث‭ ‬تطوي‭ ‬صفحة‭ ‬هيمنة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬وهيمنة‭ ‬الفاسدين‭ ‬لأن‭ ‬الرئيس‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬التونسيين‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬للإصلاح‭ ‬ونظافة‭ ‬اليد‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفساد‭. ‬وقد‭ ‬برهنت‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عملية‭ ‬التصدي‭ ‬للفاسدين‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬والنواب‭ ‬والقضاة‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الثالثة‭.‬

MENAFN04072022000055011008ID1104476729


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.