Thursday, 19 May 2022 06:03 GMT

الاردن - تأريخ للاضطرابات: من الأفكار الهامشية إلى التغيير الاجتماعي (2-2)

(MENAFN- Alghad Newspaper)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ديفيد بوتر* – (مجلة أيون) 23/12/2021

يقف المثال الفرنسي كنموذج لاضطراب نجح في تدمير المؤسسات السابقة من دون أن ينجح في بناء بديل دائم. وهو يؤكد أهمية وجود قيادة سياسية ذات رؤية واضحة في الوقت الذي تتم فيه الإطاحة بنظام حكم قائم. كان هذا هو نوع القيادة التي قدمها فريدريك أمير ساكسونيا، وكذلك قسطنطين وعبد الملك بن مروان. وكانت القوة العظيمة التي تمتع بها واضعو دستور الولايات المتحدة هي فهمهم لإمكانية تحقيق تغيير جذري من خلال التسويات. وكما أظهر روبسبير، كان اللجوء إلى العنف لفرض معايير جديدة على السكان وصفة للكارثة.

  • * *
    سرعان ما أصبح لويس السادس عشر سجينًا فعليًا في قصره، بينما أسست الجماعات المعارضة لمصالحه هيكلًا عسكريًا بديلًا وحرسًا وطنيًا، وبدأت في كتابة دستور جديد. وحتى ذلك الحين، كان بإمكان لويس النجاة لو أنه قبل بفكرة أو وجوده كملك دستوري بدلاً من أن يكون ملكًا مطلقًا هو خيار معقول. لكنه لم يفعل. وتآمر مع ملوك آخرين للإطاحة بحركة الإصلاح في فرنسا، مقوضاً بذلك الوسطيين الذين كانوا سيتيحون له الاحتفاظ بعرشه. وبذلك، فتح الباب لماكسيميليان روبسبير Maximilien Robespierre والمتطرفين الآخرين ذوي الأفكار الجريئة، الذين زعموا أن الاعتدال يقوض الثورة -وأن الثورة لا يمكن أن تنجح إلا إذا تم التخلص من الخونة وإذا حلت دولة جديدة، تتأسس على تعزيز الفضيلة، محل الدساتير المدنية المختلة التي يفضلها المعتدلون.
    دافع روبسبير، الذي حقق الهيمنة في السياسة الفرنسية كرئيس للجنة للإشراف على المجهود الحربي الفرنسي، عن سلطته وعززها بالضغط على السياسة الفرنسية إلى أقصى الحدود. وقد أسس عملية شبه قضائية يمكن بواسطتها إعدام المعارضين السياسيين (بما في ذلك الحلفاء السابقين) بسرعة كبيرة. ومعتمداً على الإرهاب لدعم رؤيته لمجتمع جديد، دمر روبسبير المؤسسات الديمقراطية الناشئة التي كان قد تم تشكيلها في إطار جهود متكررة لوضع دستور فرنسي جديد. وبعد أن تم إعدام روبسبير نفسه، تبددت قوة الثورة إلى أن تولى نابليون زمام الأمور.
    يقف المثال الفرنسي كنموذج لاضطراب نجح في تدمير المؤسسات السابقة من دون أن ينجح في بناء بديل دائم. وهو يؤكد أهمية وجود قيادة سياسية ذات رؤية واضحة في الوقت الذي تتم فيه الإطاحة بنظام حكم قائم. كان هذا هو نوع القيادة التي قدمها فريدريك أمير ساكسونيا، وكذلك قسطنطين وعبد الملك بن مروان. وكانت القوة العظيمة التي تمتع بها واضعو دستور الولايات المتحدة هي فهمهم إمكانية تحقيق تغيير جذري من خلال التسويات. وكما أظهر روبسبير، كان اللجوء إلى العنف لفرض معايير جديدة على السكان وصفة للكارثة.
    كيف يتلاءم لينين مع هذه الصورة؟ عندما عاد إلى روسيا، كانت المؤسسات المركزية للنظام القيصري قد انهارت ولم يكن للحكومة المؤقتة الحالية تفويض انتخابي. وقد سيطر لينين على المجموعة الثورية الصغيرة التي استولت على الحركة العمالية التي تقاسمت السلطة مع الحكومة. ومن دون قدرة لينين على تنظيم كادر من المرؤوسين، لم تكن الثورة التي كان يأمل فيها لتحدث في تشرين الأول (أكتوبر) 1917.
    حافظ لينين على السلطة من خلال حرب أهلية وحشية. وقد أنشأ جهازًا للشرطة السرية قتل الآلاف، بينما مات الملايين بسبب الجوع والمعارك والمرض. ومع ذلك، أدرك في النهاية أن السياسات التي كان قد استخدمها في زمن الحرب لن تنجح في وقت السلم -ما يعكس القدرة على التكيف مع الظروف التي جعلت القادة ناجحين خلال الاضطرابات السابقة. وأعطت“السياسة الاقتصادية الجديدة” للينين؛ بشكل أساسي الرأسمالية التي ترعاها الدولة، الناس مصلحة راسخة فيما يمكن وصفه بسخاء بأنه نظام شيوعي معدل. ومع ذلك، دمر خليفة لينين، جوزيف ستالين، السياسة الاقتصادية الجديدة ببرنامجه للجماعية القسرية (1) وضمن نظام القتل الذي وضعه أن الاتحاد السوفياتي لم يستطع أبدًا تقديم بديل قابل للتطبيق عن الرأسمالية الغربية.
    هناك اضطراب آخر عنيف للغاية شهده القرن العشرون، هو صعود النازية، الذي كانت له جذور في نظرية تشير إلى أن الدول يجب أن تكون في منافسة حتمية. وتمامًا كما أن هناك في داخل كل دولة منافسة مستمرة من أجل البقاء، ويجب توجيه الحكومة نحو دعم“الفائزين” على“الخاسرين” في هذا الصراع، فكذلك أيضًا لا يمكن أن يكون هناك سوى“رابحون” و”خاسرون” في الشؤون الخارجية. وقد أصبح هذا الرأي، الذي وضعه هربرت سبنسر Herbert Spencer، معروفًا باسم“الداروينية الاجتماعية” social Darwinism، الذي تلقى الدعم من علم تحسين النسل الزائف، الذي طوره معاصر سبنسر، فرانسيس غالتون Francis Galton. وعلى الرغم من أنه كان إنجليزيًا، إلا أن نظريات سبنسر اكتسبت رواجًا أكبر في الولايات المتحدة، حيث تم تبني نظريات غالتون الخاصة بتحسين النسل لدعم السياسات التقييدية للهجرة، والتعقيم الذي ترعاه الدولة للسجناء على أساس حجة“القصور العقلي”. ومن بين الأشخاص الذين وجدوا مثل هذه القوانين جذابة كان أدولف هتلر.
    ينبع نجاح هتلر السياسي في جزء كبير منه من حقيقة أن تأكيداته حول مسار ألمانيا -أنها كان من الممكن أن تنتصر في الحرب العالمية الأولى، وأنه تم طعنها في الظهر، وأن مشاكلها كان يمكن حلها من خلال إلغاء المعاهدة التي أنهت الحرب- كانت مألوفة للناخبين من مصادر أخرى. وكانت هذه المواقف مجرد أكاذيب، لكن هذه الأكاذيب كانت شائعة. كانت نسخة هتلر المتطرفة من الداروينية الاجتماعية العنصرية في البداية على هامش الفكر الألماني، ولكن بسبب ربطها بنظرته المعادية للشيوعية، تم التسامح معها خارج الدوائر النازية.
    ومع ذلك، فإن رسالة معادية للشيوعية مدعومة بالأكاذيب لن تكون كافية لتفسير صعود هتلر إلى السلطة. على نحو ردد صدى الاضطرابات السابقة، تطلب ذلك تفكُّك الإيمان بالحكومة. وفي هذه الحالة، نتج فقدان الثقة هذا، في جزء كبير منه، عن السياسات التي انتهجها المستشار الألماني الوسطي: في الرد على“الكساد الكبير”، اتبع نهج الحكمة التقليدية وقام بخفض الإنفاق العام، ما أدى بالتالي إلى زيادة تأثير الانكماش وإلحاق الضرر بتحالف يمين الوسط الذي كان قد ضمن انتخابه. ومع تعمق الكساد، جذب حزب هتلر النازي مزيدًا من الاهتمام، وهو ما عززته قدرة هتلر على الاستفادة من التقنيات الجديدة، وخاصة المذياع، وأسلوبه النشط في الحملات. ومع ذلك، عندما قام الرئيس الألماني، بول فون هيندنبورغ، بتعيين هتلر مستشارًا في كانون الثاني (يناير) 1933، كان هيندنبورغ مقتنعًا بإمكانية السيطرة على هتلر.
    مع ذلك، لن يمر شهران كاملان قبل أن يصنع هتلر الشروط القانونية لتأسيس ديكتاتوريته. كان الحزب النازي ما يزال غير معروف حتى ذلك الوقت بأنه المؤسسة الإجرامية التي كان عليها عندما اجتمع العالم في برلين في العام 1936 للاحتفال بدورة الألعاب الأولمبية. وبدا هتلر معقولاً بما فيه الكفاية بين المحافظين الآخرين -تم الاستشهاد بالتشابه بين قوانين جيم كرو في الولايات المتحدة والتشريعات المعادية للسامية في ألمانيا لدعم ظهور الولايات المتحدة في الألعاب- وكان هتلر يتمتع بأوراق اعتماد قوية من مناهضته للشيوعية. هذه العوامل، إلى جانب الخوف من نشوب حرب أخرى، جعلت الحكومات الأوروبية غير مستعدة للوقوف في وجه هتلر إلى أن أصبحت الحرب حتمية.
    اعتمد الاضطراب الذي قاده هتلر على انهيار الإيمان بالمؤسسات، وعلى جاذبية النسخة الجديدة التي قدمها من القومية الألمانية في مجتمع يعاني من الانهيار الاقتصادي والعنف، وعلى المستوى العالي من الانضباط في الحركة النازية التي أسس هتلر في داخلها مجموعة قيادية مركزية أساسية. ولقي صعوده المساعدة من الجهل والعمى اللذين وسما المؤسسة السياسية.
    ما الذي يمكن أن تخبرنا به اليوم اضطرابات الماضي -بنتائجها المتنوعة؟ تكمن قيمة التاريخ في أنه يمكّننا من اكتشاف أنماط سلوكية في الحاضر، والتي كانت لها عواقب وخيمة في الماضي.
    اليوم، ثمة دلائل على أن الأنظمة الديمقراطية الليبرالية الأميركية والأوروبية أصبحت تحت التهديد. وأكثر هذه التهديدات وضوحاً هو فقدان الثقة في المؤسسات العامة. وتقوم عوامل، مثل استعداد الحكومات الغربية للسماح بانتشار الفقر على نطاق واسع، وإضعاف المنظمات العمالية، والفشل في توفير الرعاية الصحية الكافية وغيرها من الضروريات، بتغذية الحركات القوية التي تسعى إلى تقويض النظام السياسي السائد.
    وبهذا، نرى أيضًا أفكارًا من الهامش الفكري تُرشد هذه الحركات السياسية التي تصبح أكثر قوة باطراد. وتستخدم بعض هذه الحركات أفكار الداروينية الاجتماعية لتزعم، على سبيل المثال، أن الهجرة تقوض الرفاهية العامة. وفي أوروبا، يشكل تطبيع الجماعات القومية، مثل التي تدعم محاولة إريك زمور Éric Zemmour الوصول إلى الرئاسة الفرنسية، أو حزب فيكتور أوربان في المجر، تهديداً للمعايير السياسية الراسخة. وفي المملكة المتحدة، قام بعض المدافعين عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بترجمة الاستثنائية الإنجليزية التقليدية إلى شكل من القومية المفرطة بعبارات تردد، مثل تلك التي استخدمها مؤيدو الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، صدى عقائد الداروينية الاجتماعية. ويذكِّر انتشار الإيمان بالأكاذيب، مثل الكذبة القائلة إن ترامب فاز في انتخابات العام 2020، بعالم الافتراضات الخاطئة التي انتشرت في ألمانيا أثناء صعود هتلر إلى السلطة. ولمكافحة الانقسامات التي تتسبب فيها الأكاذيب عن الانتخابات، أو خيالات الهجرة، أو الحركات المناهضة للتطعيم، يجب على الحكومات الغربية أن تدرك أن انتشار التفكير الهامشي هو علامة على أنها تفشل.
    إن الطريق إلى استعادة الإيمان -الذي يمكن أن يؤدي إلى نوع الاضطراب الذي حافظ على المجتمعات في الماضي- هو توفير مساعدة حقيقية لأولئك الذين تُرِكوا في الخلف. كان المبدأ الأساسي للديمقراطية الليبرالية هو العقد بين الحكومة والمحكومين. ويجب أن تضطلع الحكومة بمسؤولية كبح جماح سلطة الشركات التي تقوض الرفاهية العامة وتنشر الأباطيل والزيف، تمامًا كما يجب أن تتحمل مسؤولية ضمان وصول الناس إلى السلع والخدمات التي يحتاجون إليها. وسيتطلب تحقيق ذلك انتهاج ممارسات مختلفة تمامًا عن ممارسة“السياسة كالمعتاد”. إنه لدرس حاسم من التاريخ أنه، عندما تفشل طبيعية الأشياء، سوف يأتي التغيير.
    تشير الدلائل الآن إلى أننا في وقت ناضج لحدوث اضطراب. ولكن من أي نوع سيكون؟

*David Potter: أستاذ كرسي فرانسيس دبليو كيلسي للتاريخ اليوناني والروماني، وأستاذ آرثر إف ثورناو في جامعة ميشيغان. تشمل كتبه“قسطنطين الإمبراطور” Constantine the Emperor (2013)، و”ثيودورا: الممثلة، والإمبراطورة، والقديسة” Theodora: Actress, Empress, Saint (2016)، و”أصل الإمبراطورية: روما من الجمهورية إلى هادريان” The Origin of Empire: Rome from the Republic to Hadrian (2019)، و”الاضطراب: لماذا تتغير الأشياء” (2021) Disruption: Why Things Change.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A history of disruption, from fringe ideas to social change
هامش المترجم:
(1) كانت التجميعية Collectivization سياسة تقوم على الدمج القسري لأسر الفلاحين الفردية في مزارع جماعية تسمى“كولخوزات” كما نفذتها الحكومة السوفياتية في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي. ومن خلال إدخال هذا النظام، قصد ستالين التغلب على أزمة الغذاء التي تعصف بالبلاد وزيادة إنتاجية عمل الفلاحين. في خريف العام 1927، خفضت الحكومة أسعار شراء الخبز. ورد الفلاحون، الذين كانوا ملزمين ببيع الخبز للدولة، بـ”إضراب الخبز”: قرروا الانتظار حتى الربيع لبيع حبوبهم، لأن الأسعار كانت سترتفع في الربيع. وأدى ذلك إلى تفاقم مشكلة تعطل المحاصيل وتسبب في مشاكل في الإمداد في العديد من المراكز الصناعية. ولتحسين الوضع، تم تقديم prodrazvyorstka في بعض المناطق: حيث أُجبر الناس على تسليم كميات محدودة من الخبز إلى الدولة. وكان قد تم استخدام هذه السياسة مسبقاً مرة واحدة، قبل أعوام عدة. وفي العام 1928، فشلت المحاصيل مرة أخرى وعلى الرغم من الإجراءات المتخذة، عادت المجاعة إلى البلاد.

MENAFN24012022000072011014ID1103587961


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.