Friday, 07 October 2022 12:36 GMT

البحرين - ما أروع التعامل مع الناس

(MENAFN- Akhbar Al Khaleej)

أن‭ ‬تمارس‭ ‬الصحافة‭ ‬كمهنة‭ ‬تعيش‭ ‬من‭ ‬عائدها‭ ‬شيء،‭ ‬وأن‭ ‬تمارس‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬عاملا‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬ما‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬وقد‭ ‬أسعدني‭ ‬الحظ‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الورقية‭ ‬نظير‭ ‬أجر‭ ‬معلوم،‭ ‬ثم‭ ‬اعتزلها‭ ‬وأتحول‭ ‬إلى‭ ‬كاتب‭ ‬حر،‭ ‬والكاتب‭ ‬الحر‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬فيمن‭ ‬تقبل‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يختارها‭ ‬من‭ ‬صحف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالعمل‭ ‬المنتظم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صحيفة،‭ ‬وربما‭ ‬يعتبرني‭ ‬البعض‭ ‬مجنونا‭ ‬أو‭ ‬مغرورا‭ ‬أو‭ ‬‮«‬موهوما‮»‬،‭ ‬لأنني‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬حملني‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬مجال‭ ‬الإعلام‭ ‬وتحديدا‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬هو‭ ‬حبي‭ ‬للناس‭. ‬فالكتابة‭ ‬تجعلني‭ ‬أحس‭ ‬بأنني‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬البشر،‭ ‬وبأنني‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬همومهم،‭ ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬‮«‬صاحب‭ ‬رسالة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬مؤهل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيري‭ ‬لتناول‭ ‬تلك‭ ‬الهموم،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬فعلا‭ ‬وليس‭ ‬ادعاء‭ ‬شخص‭ ‬عادي‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬عادية‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يميزني‭ ‬عن‭ ‬غالبية‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬الوسامة‭ ‬أو‭ ‬الوجاهة‭ ‬أو‭ ‬المكانة‭ ‬والمهارات،‭ ‬ولو‭ ‬حباني‭ ‬الله‭ ‬بما‭ ‬يميزني‭ ‬عن‭ ‬غالبية‭ ‬الناس‭ ‬لما‭ ‬جعلت‭ ‬أحدا‭ ‬يحس‭ ‬بذلك‭ ‬التميز‭. ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬وعيت‭ ‬الأشياء‭ ‬حولي‭ ‬وأنا‭ ‬أكره‭ ‬الظلم‭ ‬والظالمين‭ ‬والاستعلاء‭ ‬العرقي‭ ‬والثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والمتغطرسين‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬وأحاول‭ ‬قدر‭ ‬جهدي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬ضحايا‭ ‬تلك‭ ‬الرزايا‭!‬

تعرضت‭ ‬للجلد‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أصرخ‭ ‬قط‭ ‬مهما‭ ‬تفننوا‭ ‬في‭ ‬ضربي‭ ‬ولكنني‭ ‬كنت‭ ‬أبكي‭ ‬من‭ ‬‮«‬القهر‮»‬‭ ‬لاحقا‭ ‬إذا‭ ‬أحسست‭ ‬أنهم‭ ‬جلدوني‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ذنب‭ ‬ارتكبته،‭ ‬والأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬بالي‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬ابن‭ ‬قرية‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬الأطلس‭ ‬وكانت‭ ‬أقصى‭ ‬أمنياتي‭ ‬بعدما‭ ‬أكملت‭ ‬تعليمي‭ ‬الجامعي‭ ‬أن‭ ‬آكل‭ ‬دجاجة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشاركني‭ ‬فيها‭ ‬احد‭ (‬سبحان‭ ‬الله‭ ‬صرت‭ ‬اليوم‭ ‬اضع‭ ‬الدجاج‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬مرتبة‭ ‬الكوسا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أطيق‭ ‬مجرد‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭).. ‬نعم‭ ‬أحب‭ ‬الناس‭ ‬عامة‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬جنسياتهم‭ ‬وسحنهم،‭ ‬ولهذا‭ ‬أجد‭ ‬متعة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬وجها‭ ‬لوجه،‭ ‬وأكره‭ ‬التلفون‭ ‬لأنه‭ ‬ألغى‭ ‬التواصل‭ ‬الحي‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬الطب‭ ‬فإنني‭ ‬أفضل‭ ‬الأطباء‭ ‬‮«‬الدقة‭ ‬القديمة‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬أيديهم‭ ‬وعيونهم‭ ‬لفحصك‭ ‬عندما‭ ‬تلجأ‭ ‬إليهم‭ ‬كمريض،‭ ‬على‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يبدأون‭ ‬في‭ ‬تعبئة‭ ‬استمارات‭ ‬الرنين‭ ‬المغناطيسي‭ ‬والاشعة‭ ‬الملونة‭ ‬والمقطعية‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تكمل‭ ‬الجُملة‭ ‬الثالثة‭.‬

واستحضر‭ ‬هنا‭ ‬قصة‭ ‬الكندية‭ ‬بيج‭ ‬نيكاسن‭ ‬التي‭ ‬خضعت‭ ‬لجراحة‭ ‬ناجحة‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬استئصال‭ ‬ورم‭ ‬خبيث‭ ‬من‭ ‬مخها‭. ‬العملية‭ ‬استغرقت‭ ‬تسع‭ ‬ساعات،‭ ‬وبيج‭ ‬هذه‭ ‬إما‭ ‬‮«‬حمارة‮»‬‭ ‬وإما‭ ‬ذات‭ ‬ميول‭ ‬انتحارية‭. ‬كانت‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬بمفردها‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الساعات‭ ‬الطوال،‭ ‬لأن‭ ‬الجراح‭ ‬الذي‭ ‬أجرى‭ ‬العملية‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬أخرى‭ ‬ممسكا‭ ‬بعصا‭ ‬‮«‬تعشيق‮»‬‭ ‬قام‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬باستخدام‭ ‬روبوت‭ (‬إنسان‭ ‬آلي‭) ‬لتوجيهه‭ ‬لفتح‭ ‬جمجمة‭ ‬بيج‭ ‬ثم‭ ‬تحريكه‭ ‬يمنة‭ ‬ويسرة‭ ‬حتى‭ ‬استأصل‭ ‬الورم،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬لجراحات‭ ‬الروبوتات‭. ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬يجريها‭ ‬الجراحون‭ ‬بأيديهم‭ ‬يوميا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬ولو‭ -‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭- ‬اصابني‭ ‬مرض‭ ‬يتطلب‭ ‬جراحة‭ ‬وقالوا‭ ‬لي‭ ‬إنها‭ ‬ستتم‭ ‬عبر‭ ‬الإنسان‭ ‬الآلي‭ ‬لركضت‭ ‬من‭ ‬المستشفى‭ ‬هربا‭ ‬بأسرع‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬الجري‭ ‬الأولمبيين‭. ‬جسمي‭ ‬ليس‭ ‬بلاي‭ ‬ستيشن‭ ‬حتى‭ ‬يجلس‭ ‬جراح‭ ‬على‭ ‬كرسيه‭ ‬ويسوط‭ ‬في‭ ‬لحمي‭ ‬وعظمي‭ ‬بأذرع‭ ‬معدنية‭.‬

وكتبت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عن‭ ‬طبيب‭ ‬عيون‭ ‬أبلغني‭ ‬عن‭ ‬استعداده‭ ‬لتشطيب‭ ‬قرنية‭ ‬عيني‭ ‬بالليزر‭ ‬حتى‭ ‬اتخلص‭ ‬من‭ ‬النظارات،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬إنه‭ ‬أهون‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬ان‭ ‬أضع‭ ‬خمس‭ ‬نظارات‭ ‬على‭ ‬عيني‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬اجعلها‭ ‬حقل‭ ‬تجارب‭ ‬لأشعة‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬اسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭.‬

مصيبة‭ ‬العصر‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬حب‭ ‬استخدام‭ ‬المعدات‭ ‬ذات‭ ‬التقنيات‭ ‬العالية‭ ‬صار‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.. ‬قل‭ ‬عني‭: ‬متخلف‭.. ‬منتم‭ ‬الى‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬اجعل‭ ‬آلة‭ ‬موضع‭ ‬ثقتي‭.. ‬بارد‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬أن‭ ‬يقطع‭ ‬الدكتور‭ ‬لحمي‭ ‬بدون‭ ‬بنج‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يجعله‭ ‬ملعبا‭ ‬لجهاز‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬أي‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬سموه‭ ‬‮«‬الإنسان‮»‬‭ ‬الآلي‭.‬

MENAFN15012022000055011008ID1103542661


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.

النشرة الإخبارية