Sunday, 17 October 2021 12:52 GMT

مؤسسة العطية .. روسيا تسعى لتصبح عملاق الغاز الطبيعي المسال

(MENAFN- The Al-Attiyah Foundation) تعد مشاريع الغاز الطبيعي المسال الروسية في القطب الشمالي من أقل مشاريع الغاز تكلفة في العالم. لذا تخطط روسيا لإقامة عدداً من المصانع الجديدة، بعد مصنع يامال للغاز الطبيعي المسال، الذي تم الانتهاء منه في عام 2017، ومصنع أرتك 2 للغاز الطبيعي المسال، والذي من المفترض أن يباشر إنتاجه في عام 2023. وتتيح تكاليف الإنتاج المنخفضة لمشاريع القطب الشمالي ميزة تنافسية في الحصول على التمويل اللازم، مقارنة بمشاريع التسييل الأخرى، علاوة على هدف روسيا المتمثل في الاستحواذ على حصة تصل إلى 20 بالمئة من السوق العالمي للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030.

وتجدر الإشارة إلى أن روسيا تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم، بكمية تقدر بحوالي 1700 تريليون قدم مكعب، أي ما يعادل ربع الاحتياطي العالمي، ويقع معظمه في حقول ضخمة على طول ساحل القطب الشمالي في روسيا، لا سيما حول مصب نهر أوب. وتعد هذه الحقول ثاني أكبر مصدر تقليدي للغاز في العالم، بعد حقل الشمال العملاق في الخليج العربي بين قطر وإيران. ويحتوي حقل الشمال على 1785 ترليون قدم مكعب من الغاز يقع معظمها في المياه القطرية، وهو ما يعادل خمسة أضعاف حجم حقل يورنغوي، ثاني أكبر حقل للغاز في العالم، الواقع في الجزء الروسي من القطب الشمالي، وعشرة أضعاف حجم حقل يامبرغ الروسي. وعلى الرغم من تطوير جزء من تلك الحقول من خلال إقامة مشاريع لإنتاج الغاز، فإن حجمها الضخم يعني أن كميات هائلة من الغاز الطبيعي قليل التكلفة، لازالت غير مستغلة، ما يوفر أساسًا متينًا لتطوير مشاريع جديدة للغاز الطبيعي المسال في القطب الشمالي.

ويقع مصنع يامال للغاز الطبيعي المسال التابع لشركة نوفاتك في القطب الشمالي، وينتج 16.5 مليون طن سنويًا من غاز حقل يورنغوي، وقد تم الانتهاء من إنشائه أواخر عام 2017، بتكلفة بلغت 28 مليار دولار. وتسعى روسيا إلى إقامة المزيد من مشاريع الغاز في المنطقة، حيث تدَّعي أن باستطاعتها تزويد السوق العالمي بالغاز الطبيعي المسال بتكلفة تتراوح بين 3.7 الى 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

من المرجح أن تكون تكاليف انتاج الغاز الطبيعي المسال من حقول القطب الشمالي الواقعة على مصب نهر أوب، سواء من المصانع الحالية أو المستقبلية، في حدود الـ 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وبالتالي فهي لا تزال أعلى بكثير من تكاليف انتاج الغاز المسال القطري، الذي قدرته مؤسسة ماكينزي بحوالي دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، نظرًا للكميات الكبيرة من سوائل الغاز التي يتم انتاجها.

وتجدر الإشارة إلى أن التكاليف الروسية لا تشمل قيمة المكثفات التي ستُخفض من تكاليف الإنتاج الروسية إلى حد ما، فعلى سبيل المثال، يبلغ سعر الغاز على مؤشر هنري هب الأمريكي حالياً أكثر من 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، لذا فإن تكاليف خط الأساس للغاز الطبيعي المسال تتراوح بين 6 إلى 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وعلى عكس تصدير الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، يمكن للغاز الطبيعي المسال الولوج إلى أي سوق في العالم عبر المحيط المتجمد الشمالي، الذي يتراجع فيه الغطاء الجليدي بشكل متزايد. وسيؤدي ذلك إلى مزيد من المرونة على المدى الطويل، نظرًا لأن أكبر سوقين لصادرات الغاز الروسية، هما أوروبا والصين، اللتان حددتا أهدافًا صافية صفرية للانبعاثات بحلول عام 2050، كما تتضمن خطة الاتحاد الأوروبي المقترحة فرض ضريبة حدودية على الكربون، الأمر الذي قد يؤثر على واردات الطاقة الروسية. وقد تضطر روسيا مع مرور الوقت، إلى الدخول إلى أسواق جديدة، والتحول من تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى تصدير الهيدروجين والطاقة الخضراء.

التركيز على السوق الآسيوية

من المتوقع أن يتجه معظم إنتاج مشاريع القطب الشمالي من الغاز الطبيعي المسال نحو الصين والأسواق الآسيوية الأخرى، حيث تتطلع تلك الدول إلى تقليل الانبعاثات الكربونية عن طريق استخدام الغاز بدلاً من الفحم، كما أنها تحتاج إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال لتعويض تراجع إنتاجها المحلي من الغاز، وسد احتياجاتها المتزايدة على الطاقة. ووفقًا لما أوردته بعض التقارير، فقد قام عدد من الدول الاسيوية، بما فيهم الصين وباكستان وبنغلاديش، بشراء ما لا يقل عن 20 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال خلال الأشهر العشرة الماضية موزعة على فترات زمنية مختلفة، كان أغلبه من قطر. وعلى الرغم من أن أسعار الغاز للعقود طويلة الأجل قد بدأت بالارتفاع الآن، إلا أنها لا تزال أرخص من أسعار العقود القصيرة والمتوسطة الأجل. في حين لم يتضح بعد مدى تأثير خطط اليابان، التي تم الإعلان عنها مؤخراً ضمن خطة الطاقة السادسة، لخفض الطلب على الغاز إلى 20 بالمئة من اجمالي احتياجات توليد الطاقة بحلول عام 2030، ما قد يخفض من طاقة تسييل الغاز المزمع إنشائها.

أهداف الإنتاج الروسية

أعلنت روسيا في مارس الماضي عن استراتيجيتها طويلة الأمد لتسيل الغاز الطبيعي، والتي تستهدف الاستحواذ على 20 بالمئة من حجم السوق العالمية بحلول عام 2035. ومع ذلك، فقد يكون من الصعب البدء في بعض المشاريع من قبل الحكومة أو المطورين دون الحصول على نفس الدعم الذي تلقته شركة يامال، والذي شمل إعفاءات متوسطة الأجل على ضريبة استخراج المعادن، وضريبة الممتلكات، علاوة على معدل الضريبة المخفض على الأرباح، علماً بأن شركة يامال لا تدفع أي رسوم تصدير على الغاز الطبيعي المسال، كما أنها معفية من الضرائب الإقليمية. وإذا استمرت روسيا بهذا النهج السخي مع كافة مشاريع تسيل الغاز الطبيعي، فقد تفقد جزءاً من عوائد استغلال ثرواتها الطبيعية.

ووفقًا للاتحاد الدولي للغاز، فإن السعة الإضافية لروسيا ستمثل رابع أكبر إضافة لطاقة تسييل الغاز الطبيعي العالمية خلال السنوات القادمة، بعد قطر والولايات المتحدة وكندا، في حال تمكنت من إتمام كافة المصانع التي تخطط لبنائها. ومع استمرار زيادة القدرة الإنتاجية لروسيا، قامت شركة نوفاتك في يناير الماضي بتدشين خط انتاج رابع في مصنع يامال بطاقة تبلغ 0.9 مليون طن سنوياً، والذي تم تصميمه بشكل أساسي لتقييم تقنية تسييل خاصة بالقطب الشمالي، والتي تتيح استغلال درجات الحرارة المنخفضة خلال فصل الشتاء لزيادة الكفاءة الانتاجية. كما يتم حالياً إنشاء، مصنع أرتك 2 للغاز الطبيعي المسال بطاقة انتاجية تبلغ 19.8 مليون طن سنويًا، الذي تمتلك نوفاتك نسبة 60 بالمئة منه، بينما تمتلك شركة توتال، وشركة القطب الشمالي للغاز الطبيعي المسال اليابانية، والمؤسسة الوطنية الصينية للنفط البحري، وشركة البترول الوطنية الصينية، نسبة 10 بالمئة لكل منهم. ويقع مصنع أرتك 2 للغاز الطبيعي المسال في شبه جزيرة جيدان، حيث سيتم تزويد المصنع بالغاز من الحقول القريبة التابعة لشركة نوفاتك بتكلفة منخفضة، كما ستساعد الطاقة العالية لخطوط الإنتاج، والتي تبلغ 6.6 مليون طن سنوياً، على تخفيض التكاليف. ومن المقرر أن يبدأ إنتاج الخط الأول في عام 2023، والثاني في عام 2024، والثالث في عام 2025، أي قبل عام من المواعيد المقررة وفقًا لما ذكرته شركة نوفاتك في شهر مايو الماضي. وقد أعلنت الشركة في إبريل الماضي إنها أبرمت عدة صفقات لبيع الغاز الطبيعي المسال مع مشترين من الصين لمدة 20 عامًا، وتغطي كامل إنتاج مصنع أرتك 2.

وتجدر الإشارة الى أن مصنع أرتك 2 قد تلقى أيضًا دعمًا حكوميًا سخيًا، حيث تقدر تكلفة المصنع بـ 21.3 مليار دولار، ستدفع شركة نوفاتك 73.43 بالمئة منها، بينما ستدفع الحكومة الروسية 26.57 بالمئة. وقد قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصدار قانون إعفاء ضريبي جديد في شهر مارس الماضي لمشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة في القطب الشمالي، تٌخفض بموجبه نسبة الاعفاء الضريبي على الاستخراج إلى الصفر.

وتخطط شركة نوفاتك أيضًا لإنشاء مصنع أوبسك للغاز الطبيعي المسال بطاقة إنتاجية تبلغ من 5 إلى 6 مليون طن سنويًا، ومن المقرر صدور قرار الاستثمار النهائي هذا العام، على أن يباشر المصنع إنتاجه مطلع عام 2024، حيث وقع الاختيار على استخدام تكنولوجيا الغاز الطبيعي المسال من شركة ليند الألمانية. كما ستقوم نوفاتك أيضًا ببناء مصنع للكيماويات بالقرب من مشروع يامال للغاز الطبيعي المسال، والذي سينتج الأمونيا منخفضة الكربون، والهيدروجين، ومنتجات كيميائية أخرى من الغاز، تستخدم فيها تقنية احتجاز الكربون وتخزينه.

كما تخطط نوفاتك لبناء مصنعين لتصدير الغاز الطبيعي المسال هما أرتك 1 وأرتك 3، ومن المحتمل صدور قرار الاستثمار النهائي لمصنع أرتك 1 في عام 2023 أو 2024، على الرغم من انتشار شائعات مؤخراً تفيد بأن نوفاتك تفكر في إنتاج الهيدروجين الأزرق، أو ربما الأمونيا بدلاً من ذلك. وعلى أي الاحوال، فإن مصنع أرتك 1 للغاز الطبيعي المسال الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 19.8 مليون طن سنويًا، أو ما يعادلها من الهيدروجين، ستستخدم الغاز من الحقول الواقعة في شبه جزيرة جيدان، وفقًا لما ورد في استراتيجية الغاز الطبيعي المسال الروسية. من المحتمل أن يبدأ التطوير بعد أن تنتهي شركة نوفاتك من بناء مصنع أرتك 2 للغاز الطبيعي المسال، وتسعى الشركة حاليًا لعقد شراكة مع مستثمرين لشراء 40 بالمئة من المشروع. كما تخطط نوفاتك لبناء مصنع أرتك 3 للغاز الطبيعي المسال عام 2030، وبسعة تبلغ أيضاً 19.8 مليون طن سنوياً، حيث سيتم تزويد المصنع بالغاز من الحقول الواقعة في خليج أوب، التي تم اكتشاف كميات كبيرة من الغاز فيها عام 2018.

ومن بين المشاريع الأخرى المقترحة في القطب الشمالي، مشروع تامبي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 20 مليون طن سنوياً، ومشروع شتوكمان للغاز الطبيعي المسال الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 30 مليون طن سنوياً، والتابعين لشركة غازبروم. بالإضافة إلى ذلك، تخطط شركة روسنفت لإنشاء مصنع كارا للغاز الطبيعي المسال بطاقة تبلغ 30 مليون طن سنويًا، ومشروع تايمير بطاقة إنتاجية من 30 الى 50 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، على ساحل القطب الشمالي. وعلى الرغم من انخفاض تكلفة الغاز، فإن هذه المشاريع تبدو بعيدة المنال حاليًا، وسيعتمد إنشائها على استمرار نمو أسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية لما بعد عام 2040. وتجدر الإشارة الى أن روسيا تنتج أيضًا الغاز الطبيعي المسال في جزيرة سخالين الواقعة في أقصى شرق سيبيريا، وقد يصبح التآزر التسويقي ممكناً بين صادرات سخالين وخطوط أنابيب الغاز الروسية التي تزود أوروبا وآسيا.

التحديات المقبلة

من الواضح أن روسيا لديها القدرة على أن تصبح أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، كما هو الحال بالنسبة لخطوط أنابيب الغاز، لكنها في الواقع تواجه بعض التحديات لبلوغ هذا الهدف. فمن الصعب حاليًا معرفة عدد المشاريع التي سيتم تنفيذها، وكم ستبلغ طاقتها الإنتاجية، وفي أي إطار زمني سيتم انشائها. علاوة على ذلك، سيتعين على روسيا تطوير استراتيجيات فعالة لكيفية التعامل مع المنافسين الحاليين، مثل قطر وأستراليا والولايات المتحدة، وكذلك المنافسين الصاعدين، مثل دول جنوب الصحراء الإفريقية.

ومع اكتمال انشاء مصنع أرتك 2 للغاز الطبيعي المسال، والمشاريع الأخرى من قبل شركة نوفاتك، وتحسن طرق الملاحة البحرية قبالة السواحل الشمالية لروسيا، التي تربط بين آسيا وأوروبا، ونمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال، ستتمكن روسيا من تعزيز مكانتها بشكل كبير في الأسواق الآسيوية والأوروبية في غضون السنوات القادمة.

إعداد: مؤسسة عبدالله بن حمد العطية الدولية للطاقة والتنمية المستدامة

MENAFN26092021006131013331ID1102865330


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.