Thursday, 29 July 2021 06:35 GMT

أخبار الخليج | هبوط الوحي

(MENAFN - Akhbar Al Khaleej) لا‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬يتحمل‭ ‬هذه‭ ‬الأمانة‭ ‬العظيمة‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬سلاسة‭ ‬ويسر‭ ‬وتلطف‭!‬

في‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬سيكون‭ ‬حالك‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬نفسك‭ ‬وحيدا‭ ‬في‭ ‬خلوة‭ ‬من‭ ‬التعبد،‭ ‬داخل‭ ‬روضة‭ ‬مطهرة،‭ ‬يحيطها‭ ‬فضاء‭ ‬مترامي‭ ‬الأطراف،‭ ‬وأنت‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬قمة‭ ‬من‭ ‬الجبل،‭ ‬منعزلا‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الناس‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا؟

نعم،‭ ‬ستكون‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬دوار‭ ‬الجبل،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬فيك‭ ‬من‭ ‬روحانية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬التوحيد‭ ‬الخالص‭ ‬حين‭ ‬تحياها‭ ‬بصدق‭ ‬وتجرد،‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬عندك‭ ‬باختلاف‭ ‬درجة‭ ‬العزائم‭ ‬والإرادات،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أنك‭ ‬ستشعر‭ ‬بالعجز‭ ‬حتما،‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الصادق‭ ‬الأمين‭ ‬‮»‬محمد‮«‬‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬الجبل،‭ ‬ويظل‭ ‬حالك‭ ‬هكذا‭ -‬وأنت‭ ‬من‭ ‬ديار‭ ‬أحرار‭- ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬نفسك‭ ‬من‭ ‬صفاء‭ ‬ذهن‭ ‬إلى‭ ‬فراغ‭ ‬هدف،‭ ‬ومن‭ ‬تحليل‭ ‬أولويات‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬منهج،‭ ‬ومن‭ ‬علاقات‭ ‬قرابة‭ ‬إلى‭ ‬مفردات‭ ‬توهج،‭ ‬وقد‭ ‬استبد‭ ‬بك‭ ‬الخوف‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬تحيا‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والسلوك‭ ‬المضطرب‭ ‬تلازم‭ ‬خطواتك‭ ‬وأفعالك‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭. ‬

هذا‭ ‬الواقع‭ ‬ليس‭ ‬أضغاث‭ ‬أحلام،‭ ‬ولا‭ ‬معتقد‭ ‬أوهام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬واقعة‭ ‬لقدراتك‭ ‬المحدودة،‭ ‬بخلاف‭ ‬هذا‭ ‬الأمين‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬الواثق‭ ‬من‭ ‬نفسه،‭ ‬حين‭ ‬خاض‭ ‬غمار‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الإيمانية‭ ‬الفريدة‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬أمة‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭ ‬بشغف‭ ‬وأمل‭ ‬ومحبة،‭ ‬ولم‭ ‬لا؟‭! ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬أكثر‭ ‬الناس‭ ‬شهامة‭ ‬ومروءة‭ ‬في‭ ‬قريش‭ ‬كلها،‭ ‬وأكثرهم‭ ‬حرصا‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬العهد،‭ ‬والذمة،‭ ‬والجوار،‭ ‬وبذل‭ ‬المعروف،‭ ‬وإكرام‭ ‬الضيف،‭ ‬وإعانة‭ ‬الضعيف،‭ ‬وغوث‭ ‬الملهوف،‭ ‬وصلة‭ ‬الرحم،‭ ‬حتى‭ ‬أشرقت‭ ‬عليه‭ ‬أنوار‭ ‬النبوة،‭ ‬وصارت‭ ‬تلك‭ ‬المغارة‭ ‬الضيقة‭ ‬الذي‭ ‬تحنث‭ ‬فيها‭ ‬لله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬أياما‭ ‬وليالي‭ ‬بحجم‭ ‬الكون‭ ‬اتساعا،‭ ‬وأصبحت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬رمزا‭ ‬لمهبط‭ ‬الوحي،‭ ‬وحاضنة‭ ‬لكتاب‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل،‭ ‬وإلهاما‭ ‬لمشرق‭ ‬النور‭. ‬

مغارة‭ ‬كانت‭ ‬فاتحة‭ ‬لتجفيف‭ ‬منابع‭ ‬التعصب،‭ ‬وتحطيم‭ ‬القساوة،‭ ‬ومحاربة‭ ‬الجهل،‭ ‬وتقديم‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بـ»اقرأ‮«‬،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬بناء‭ ‬روحانية‭ ‬أكسبتنا‭ ‬كأمة‭ ‬مسلمة‭ ‬العزة،‭ ‬والشرف،‭ ‬والفخار،‭ ‬والمجد،‭ ‬وأكدت‭ ‬الحضور‭ ‬الواعي‭ ‬لقدسية‭ ‬الكلمة،‭ ‬وبرهنت‭ ‬على‭ ‬مداخلة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬علق‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬وكيف‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬التوحيد‭ ‬الخالص‭ ‬نبذ‭ ‬الشرك‭ ‬وبين‭ ‬الإقرار‭ ‬بإله‭ ‬واحد‭ ‬وجود‭ ‬صلة‭ ‬كريمة‭ ‬بين‭ ‬سبات‭ ‬أمة‭ ‬ونهوض‭ ‬رسالة،‭ ‬وبين‭ ‬يقظة‭ ‬قلب‭ ‬واحترام‭ ‬إرادة‭ ‬تغيير‭ ‬المجتمع‭ ‬الجاهلي‭ ‬إلى‭ ‬الأفضل،‭ ‬وكيف‭ ‬نفهم‭ ‬أيضا‭ ‬انغماس‭ ‬القلم‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬كصيرورة‭ ‬إنسانية‭ ‬نحو‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬المعرفة،‭ ‬وأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬واهب‭ ‬الوجود‭ ‬هو‭ ‬الأعز‭ ‬الأكرم‭. ‬

مغارة‭ ‬عظيمة‭ ‬خصها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬باحتضان‭ ‬هذا‭ ‬النور،‭ ‬لها‭ ‬سلوك‭ ‬وأفعال،‭ ‬ومصدر‭ ‬إلهام،‭ ‬ومفردات‭ ‬تاريخ،‭ ‬وأداة‭ ‬تأمل،‭ ‬حوت‭ ‬علوما‭ ‬بالدلالة‭ ‬المفردة،‭ ‬وأداة‭ ‬لغة‭ ‬يلتجئ‭ ‬إليها‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬تخونه‭ ‬أدوات‭ ‬اللغة‭ ‬المألوفة،‭ ‬وحالة‭ ‬مستعصية‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أحداث،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬وقائع‭ ‬بحث‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬يظل‭ ‬الصادق‭ ‬الأمين‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬هو‭ ‬القول‭ ‬الفصل،‭ ‬ونداء‭ ‬الكمال،‭ ‬وسيد‭ ‬المعنى،‭ ‬فلربما‭ ‬قطع‭ ‬وعدا‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬بنظافة‭ ‬الحرم‭ ‬الشريف‭ ‬من‭ ‬الأصنام،‭ ‬وطهارة‭ ‬الكعبة‭ ‬من‭ ‬الأوثان‭ ‬والأزلام،‭ ‬ولربما‭ ‬أدار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المغارة‭ ‬حوارا‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬نهوض‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬الجاهلية‭ ‬الأولى،‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أكثر‭ ‬أمانا‭ ‬واستقرارا،‭ ‬استمرت‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬السنوات‭ ‬غاب‭ ‬عنا‭ ‬إحصاؤها‭.‬

أقسى‭ ‬المحن‭ ‬التي‭ ‬يبتلينا‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬بها‭ ‬تنطوي‭ ‬في‭ ‬دواخلنا‭ ‬على‭ ‬إرهاص‭ ‬باليأس‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمل‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬ربي،‭ ‬وكأنما‭ ‬صلابة‭ ‬عزيمتنا‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نقارنها‭ ‬بصلابة‭ ‬الصفيح‭ ‬الساخن‭ ‬حين‭ ‬يعلوه‭ ‬الصدأ‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تؤهلنا‭ ‬هذه‭ ‬المحن‭ ‬امعاودة‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمور‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬فلا‭ ‬نراجع‭ ‬هدفا،‭ ‬ولا‭ ‬نحقق‭ ‬غاية،‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬دواخلنا‭ ‬كأفراد‭. ‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬ذروة‭ ‬الصلابة‭ ‬لهذا‭ ‬المعنى‭ ‬حملها‭ ‬الصادق‭ ‬الأمين‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬كنبي‭ ‬مرسل‭ ‬من‭ ‬ربه‭ ‬بشيرا‭ ‬ونذير‭ ‬ورحمة‭ ‬للعالمين،‭ ‬فقد‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المشاق‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬الجبل‭ ‬وحده‭ ‬حتى‭ ‬هبط‭ ‬عليه‭ ‬الوحي‭ ‬الأمين‭ ‬‮»‬جبريل‮«‬‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬مرسلا‭ ‬من‭ ‬ربه‭ ‬جل‭ ‬وعلا،‭ ‬وقد‭ ‬رآه‭ ‬شاخصا‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬داخل‭ ‬الغار،‭ ‬يقول‭ ‬له‭: ‬‮»‬اقرأ‮«‬،‭ ‬فأجابه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭: ‬‮»‬ما‭ ‬أنا‭ ‬بقارئ‮«‬،‭ ‬فأمسك‭ ‬به‭ ‬‮»‬جبريل‮«‬‭ ‬ثانية‭ ‬وضمه‭ ‬إليه‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬منه‭ ‬الجهد،‭ ‬ثم‭ ‬تركه،‭ ‬وطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬‮»‬يقرأ‮«‬،‭ ‬فأجابه‭: ‬‮»‬ما‭ ‬أنا‭ ‬بقارئ‮«‬‭ ‬وتكرر‭ ‬معه‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الثالثة،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬له‭: ‬‮»‬اقْرَأْ‭ ‬بِاسْمِ‭ ‬رَبِّكَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬خَلَقَ‮«‬‭. ‬

MENAFN22072021000055011008ID1102494798


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.