Thursday, 29 July 2021 05:45 GMT

أخبار الخليج | ورقة من دفتري السياحي (5)

(MENAFN - Akhbar Al Khaleej) في‭ ‬سلسلة‭ ‬المقالات‭ ‬بالعنوان‭ ‬أعلاه‭ ‬أقوم‭ ‬بزيارة‭ ‬عديد‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬طفت‭ ‬بها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬للحقبة‭ ‬الكوروناوية،‭ ‬التي‭ ‬عشنا‭ ‬فيها‭ ‬محبوسين‭ ‬في‭ ‬بيوتنا‭ ‬وحركتنا‭ ‬مشلولة‭ ‬أو‭ ‬محدودة‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬فيها،‭ ‬وتلك‭ ‬الزيارات‭ ‬بالضرورة‭ ‬افتراضية،‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬اجترار‭ ‬لذكريات‭ ‬قديمة،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬توضيح‭ ‬انني‭ ‬لست‭ ‬حزينا‭ ‬لعدم‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬بسبب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تفادي‭ ‬الإصابة‭ ‬بالكورونا،‭ ‬فلست‭ ‬من‭ ‬هواة‭ ‬السفر،‭ ‬ليس‭ ‬نفورا‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬‮»‬السياحة‮«‬،‭ ‬ولكن‭ ‬لنفوري‭ ‬من‭ ‬المطارات‭ ‬والطائرات،‭ ‬وسبحان‭ ‬الله‭ ‬كنت‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬أحس‭ ‬بأنني‭ ‬أتيت‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يستطعه‭ ‬الأوائل‭ ‬عندما‭ ‬ركبت‭ ‬الطائرة‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬وزرت‭ ‬مصر‭ ‬وبعدها‭ ‬بريطانيا،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فحالي‭ ‬كحال‭ ‬المغازلجي‭ ‬المتقاعد‭ ‬الذي‭ ‬يبكي‭ ‬على‭ ‬أطلال‭ ‬شبابه‭:‬

إني‭ ‬امرؤ‭ ‬مولع‭ ‬بالحسن‭ ‬أتبعه‭ ‬ ‭**‬ ‭ ‬لا‭ ‬حظ‭ ‬لي‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬لذة‭ ‬النظر‭ ‬

‭(‬وأتذكر‭ ‬هنا‭ ‬الصديقين‭ ‬اللذين‭ ‬تجاوزا‭ ‬الثمانين‭ ‬وكانا‭ ‬يجلسان‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬عامة‭ ‬وتمر‭ ‬بهما‭ ‬أسراب‭ ‬الحسان،‭ ‬فتساءل‭ ‬أحدهما‭: ‬هل‭ ‬تذكر‭ ‬عندما‭ ‬كنا‭ ‬نأتي‭ ‬هنا‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬ستين‭ ‬سنة‭ ‬ونطارد‭ ‬الفتيات‭ ‬بمعسول‭ ‬الكلام؟‭ ‬فقال‭ ‬الآخر‭: ‬نعم‭ ‬أذكر‭ ‬ذلك‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬لماذا‭ ‬كنا‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭).‬

المهم‭: ‬توقفنا‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬زيارتي‭ ‬الأولى‭ ‬للندن‭ ‬وما‭ ‬صاحبها‭ ‬من‭ ‬صدام‭ ‬حضارات‭ ‬تمثّل‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬معرفتي‭ ‬بكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مخترعات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مثل‭ ‬القطارات‭ ‬التي‭ ‬تمشي‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬والسلم‭ ‬الكهربائي‭ ‬متحرك‭ ‬الدرجات‭ ‬والهاتف‭ ‬الذي‭ ‬يرد‭ ‬تلقائيا‭ ‬على‭ ‬المكالمات‭ ‬لأنه‭ ‬مزود‭ ‬بخاصية‭ ‬التسجيل‭ ‬الصوتي،‭ ‬وقد‭ ‬تمكنت‭ ‬وبمرور‭ ‬الوقت‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الأشياء،‭ ‬ولكنني‭ ‬عشت‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬بقائي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬رعب‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعج‭ ‬وتضج‭ ‬بكلاب‭ ‬ضخمة‭ ‬الكراديس‭ ‬تمشي‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬الشوارع‭ ‬مع‭ ‬أصحابها‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬تزويد‭ ‬الكلب‭ ‬بمقود‭ ‬إلزاميا‭ ‬وقتها‭.‬

ثم‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬جاري‭ ‬الإنجليزي‭ ‬الكهل‭ ‬الذي‭ ‬استوقفني‭ ‬ذات‭ ‬صباح‭ ‬وسألني‭ ‬عن‭ ‬بلدي‭ ‬وما‭ ‬ان‭ ‬عرف‭ ‬انني‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬حتى‭ ‬طفق‭ ‬يحكي‭ ‬لي‭ ‬عن‭ ‬ذكرياته‭ ‬فيه‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬جنديا‭ ‬شابا‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬البريطاني‭ ‬ومرابطا‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬ومصر،‭ ‬ثم‭ ‬دعاني‭ ‬لكوب‭ ‬شاي‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬معلوم‭ ‬اتفقنا‭ ‬حوله،‭ ‬وفي‭ ‬ذاك‭ ‬اليوم‭ ‬المعلوم‭ ‬وتوقيت‭ ‬الزيارة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬محددا‭ ‬بالدقيقة‭ ‬والثانية‭ ‬طرقت‭ ‬الباب‭ ‬جاء‭ ‬الرجل‭ ‬ومن‭ ‬خلفه‭ ‬كلب‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬ثور‭ ‬هولشتاين،‭ ‬فتراجعت‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بضع‭ ‬خطوات‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬مع‭ ‬التأهب‭ ‬للركض‭ ‬مبتعدا‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬صاحبنا،‭ ‬ولكنه‭ ‬طمأنني‭ ‬بان‭ ‬الكلب‭ ‬ودود،‭ ‬فدخلت‭ ‬بيته‭ ‬برجلي‭ ‬اليسرى‭ ‬وأنا‭ ‬أهمهم‭: ‬اللهم‭ ‬اني‭ ‬أعوذ‭ ‬بك‭ ‬من‭ ‬الخبث‭ ‬والخبائث،‭ ‬وتابعت‭ ‬صاحب‭ ‬البيت‭ ‬تاركا‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬الكلب‭ ‬مسافة‭ ‬‮»‬آمنة‮«‬،‭ ‬حتى‭ ‬جلست‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الجلوس،‭ ‬وأنا‭ ‬أهمهم‭ ‬‮»‬وجعلنا‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬سدَّا‭ ‬ومن‭ ‬خلفهم‭ ‬سدا‭ ‬فأغشيناهم‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يبصرون‮«‬،‭ ‬وظل‭ ‬الكلب‭ ‬ابن‭ ‬الكلب‭ ‬جالسا‭ ‬بين‭ ‬قدمي‭ ‬مضيفي‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الوقت،‭ ‬ثم‭ ‬تحرك‭ ‬صوبي‭ (‬دا‭ ‬جايي‭ ‬لي‭ ‬أنا‭ ‬بأه‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬شاهد‭ ‬ما‭ ‬شافش‭ ‬حاجة‭ ‬عندما‭ ‬رأى‭ ‬أسدا‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭) ‬واقترب‭ ‬مني‭ ‬وصار‭ ‬يشمني،‭ ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬التعرق‭ ‬المفضي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬السوائل،‭ ‬ولكن‭ ‬الرجل‭ ‬لم‭ ‬يشفق‭ ‬لحالي‭ ‬بل‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬الرجل‭ ‬ان‭ ‬أداعبه‭ ‬كي‭ ‬يصبح‭ ‬صديقي‭ ‬ويزول‭ ‬خوفي‭ ‬منه،‭ ‬فلمست‭ ‬رأسه‭ ‬بحذر‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الكلب‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬قفز‭ ‬وجلس‭ ‬فوق‭ ‬حجري،‭ ‬وتخيل‭ ‬ان‭ ‬يجلس‭ ‬فوقك‭ ‬ثور‭ ‬هولندي‭ ‬له‭ ‬مخالب‭ ‬وأسنان‭ ‬حادة‭ ‬الأطراف‭ ‬كما‭ ‬المسامير‭ ‬وزنه‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬الثلاثين‭ ‬كيلوجراما‭ ‬مربعا،‭ ‬ثم‭ ‬تحول‭ ‬الكلب‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الشم‭ ‬إلى‭ ‬اللحس‭!! ‬نعم‭ ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬يلحس‭ ‬خدي‭ ‬بلسان‭ ‬كورق‭ ‬السنفرة،‭ ‬والخواجة‭ ‬مبسوط‭ ‬وأنا‭ ‬أعيط،‭ ‬هو‭ ‬يقول‭: ‬هي‭ ‬لايكس‭ ‬يو‭ (‬إنه‭ ‬يحبك‭) ‬وأنا‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬سري‭: ‬تلوكك‭ ‬أنت‭ ‬وهو‭ ‬سمكة‭ ‬قرش‭ ‬وتقرقش‭ ‬عظامك‭.‬

حدثت‭ ‬صديقا‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬المرعبة‭ ‬فقال‭ ‬لي‭: ‬لا‭ ‬تخف‭ ‬من‭ ‬كلاب‭ ‬لندن‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬عضتك،‭ ‬ولكن‭ ‬احذر‭ ‬عضة‭ ‬سواح‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭.‬

MENAFN21072021000055011008ID1102490070


إخلاء المسؤولية القانونية:
تعمل شركة "شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية" على توفير المعلومات "كما هي" دون أي تعهدات أو ضمانات... سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.