Sunday, 17 October 2021 07:25 GMT

الركائز الأربع لإعادة إعمار العراق | سنديكيشن بيورو


(MENAFN- Syndication Bureau)

قد يكون مبلغ 30 مليار دولار كبيراً جداً، وقد يكون غير كاف إطلاقاً، فالأمر يرتبط بكيفية رؤيتك للأمور. هذا المبلغ تم التعهد بتقديمه في مؤتمر بالكويت حول إعادة إعمار العراق الشهر الماضي. لكن بعد الدمار الذي خلفه الغزو الأمريكي في 2003، وسنوات الصراع الطائفي الطوال، إضافة إلى الحرب ضد “داعش”، فإن أجزاء كبيرة من العراق باتت محطمة. وقد قدر البنك الدولي أن العراق سيحتاج لمبلغ 88 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة فقط لإعادة إنشاء البنية التحتية المتضررة، دون الحديث عن رعاية المشردين والمصابين.

لكن حجم المبالغ المذكورة يحجب الرؤية عن واقع أكثر تعقيداً. فالمال ما هو إلا أحد احتياجات العراق، لكنه مُسيَّس بشكل كبير، شأنه في ذلك شأن باقي جوانب الحياة في عراق ما بعد الغزو. لنأخذ بعين الاعتبار إذن جانبين اثنين: مصدر الأموال ووجهتها المفترضة.

في مؤتمر الاستثمار الذي انعقد في الكويت، تعهدت تركيا بأكبر مساهمة مالية بلغ مجموعها 5 مليارات دولار، فيما تعهدت دول السعودية وقطر والكويت بمبالغ بالكاد تجاوزت مليار دولار. أما الولايات المتحدة، وبشكل مفاجئ نظراً لمسؤوليتها التاريخية، لم تتعهد بأي شيء، وإن كانت قد عرضت تمويل الشركات الأمريكية الراغبة في الاستثمار.

لكن عموماً، فإن الدول المنتظر منها ربما إعادة إعمار العراق، والتي لها مصلحة حقيقية في ذلك، هي دول الخليج. ورغم ذلك، فإن الدول العربية السنية غير راغبة في التعهد بمبالغ مالية كبيرة إلى أن تتضح لهم صورة التركيبة السياسية في العراق. فجميع هذه الدول تذكر سنوات الطائفية العميقة في عهد نوري المالكي، حين تم تهميش العراقيين السنة، وهو ما ولد لديهم امتعاضاً ترتب عنه ظهور وازدهار “داعش”. فإلى حين حل هذه الإشكالية، وتنظيم البلاد لانتخابات صيف هذا العام، ستظل كثير من هذه الدول حذرة من المساهمة بأموالها.

أما الجانب الآخر فيكمن في وجهة هذه الأموال. فالمناطق العراقية التي هي في حاجة لإعادة الإعمار هي في مجملها مناطق سنية. فالموصل التي دُمرت خلال الحرب من أجل اجتثاث “داعش” هي مدينة سنية في معظمها، شأنها شأن العديد من المناطق الواقعة في شمال غرب العراق، حيث كان يتحصن تنظيم “داعش”. بالمقابل، فإن المناطق العراقية ذات الأغلبية الشيعية، والممتدة في جنوب شرق العراق من بغداد وعبر النجف وحتى البصرة، كانت محمية بصورة جيدة من قبل الجيش العراقي، وقد سلمت من الدمار الذي أحدثه التنظيم. إن الأرقام لا تعكس الحقيقة كاملة: إذ لا يقتصر الأمر على تأثير سياسة العراق على الجهات المانحة، بل إن من هم أكثر حاجة للتبرعات قد لا يتوصلون بها نتيجة هذه السياسة.

إن إعادة إعمار العراق ستتطلب أكثر من مجرد ترميم للبنايات، بل ستستوجب إعادة بناء الروابط الهشة التي تربط بين السياسة والمجتمع في العراق. هذا الأمر يستلزم السعي إلى الوصول للإجماع وبناء التحالفات داخلياً وخارجياً. ففي جوهرها، تعني إعادة الإعمار إصلاح العديد من الركائز التي يقوم عليها المجتمع العراقي الذي كان انهياره أول ما أدى إلى الحروب التي عرفتها البلاد.

أولى هذه الركائز هي الركيزة السياسية. فحكومة العراق في سنوات ما قبل وما بعد الغزو الأمريكي تأرجحت بين الاستبداد والطائفية. وبعد أن اتضحت التكلفة الباهظة لهذه الطائفية، بدأ الساسة، وخاصة حيدر العبادي، في استيعاب الحاجة إلى مصالحة مؤلمة لم تحدث حتى الآن، لكنها ضرورية: فالعراقيون السنة لم يُعطوا نصيبهم من البلاد، وإذا ما لم تستطع بغداد التوصل إلى تسوية عادلة مع الأكراد، فإن إشكاليات الاستياء والتهميش المتفاقمة ستعود من جديد.

هذا الجانب السياسي يهم دول المنطقة كذلك. فمنذ عودة العلاقات بين السعودية والعراق في أكتوبر، عرفت علاقات هذا الأخير مع دول الخليج السنية، التي كانت متوجسة من علاقات بغداد مع إيران، تحسناً ملحوظاً. هذا التقارب يجب أن يستمر، حتى وإن بدا العراق مصمماً على عدم الانحياز لأي من “المعسكرين”، سواء الخليجي أو الإيراني.

إن إعادة بناء السياسة تقودنا إلى الركيزة الثانية، وهي ضرورة إعادة بناء الاقتصاد، حيث تدعو الحاجة إلى بناء مكاتب جديدة في مختلف مناطق العراق، وإعادة إنشاء مجموعة من المصانع. فقد تعرضت الشركات والصناعات العراقية لضربة قوية جراء هجوم خلف أثراً ثلاثي الأوجه: تدمير المباني، وفقدان الموارد البشرية، وانهيار الاقتصاد، ما أفقدها قاعدتها الاستهلاكية. هذا وينعم العراق بمخزونات نفطية ضخمة، لكنه ملعون للسبب ذاته، فبالكاد تحتاج الحكومة لتوسيع قاعدتها الضريبية في ظل العائدات النفطية.

ويشكل الفساد بدوره حاجزاً مهماً في العراق. فبالحديث عن مؤتمر الكويت، كثيراً ما تم الاستشهاد بأن منظمة “الشفافية الدولية” غير الحكومية قد صنفت العراق في المرتبة العاشرة من بين أكثر الدول فساداً في العالم سنة 2016. هذا التصنيف تؤكده تجارب من حاولوا القيام بأعمالهم في البلاد خلال السنوات القليلة الماضية: فالإجراءات الإدارية والأموال الضرورية لتحريك العجلة البيروقراطية تجعل من إحداث شركة في البلاد مهمة شاقة ومكلفة للغاية.

أما الركيزة الثالثة، فهي متصلة بالقضاء على الفساد وإزالة الحواجز من طريق الشركات، وتتمثل في النظام القانوني. فتوفر نظام قانوني شفاف، أو على الأقل العمل على تحقيق ذلك، أمر أساسي لضمان شعور كافة العراقيين أن بإمكانهم وضع ثقتهم في نظام العدالة، ومن ثم في حكومتهم. هذا الأمر ينطبق كذلك على المستثمرين الأجانب: فكلما كانت الشركات الأجنبية على يقين من أن استثماراتها ستكون محمية، فإنها على الأرجح ستكون أكثر استعداداً للاستثمار.

وتبقى الركيزة الأخيرة والأهم، والتي بدونها لا يمكن للركائز الأخرى أن تنجح، هي الجانب الإنساني، وهو الجانب الأكثر تعقيداً.

ففي أوج نشاط تنظيم “داعش”، عاش ما يقارب 40 بالمائة من العراقيين تحت سيطرة التنظيم، أي ما يناهز 10 ملايين شخص. وقد تم تشريد ثلاثة ملايين شخصاً، وما يزالون كذلك حتى هذه اللحظة. ورغم الكلمات الرنانة في شعار الحملة العسكرية لتحرير الموصل، والتي أطلق عليها الجيش العراقي مسمى “قادمون يا نينوى”، فإن المدينة قد تُركت تحت سيطرة “داعش” لما يقارب ثلاث سنوات.

ولم تكن “داعش” وحدها التي أراقت دماء العراقيين، فالعراقيون أنفسهم، سواء كانوا سنة أو شيعة، عرباً أو أكراداً، قد هاجموا بعضهم البعض، وأحرقوا المنازل وقتلوا عائلات بأكملها. وفي أحلك أيام العنف الطائفي، هاجم الجيران بعضهم البعض. هذه الأحداث لا تنسى بسهولة، ولا شك أن هناك من سيسعون للأخذ بثأرهم، كما أن كثيرين ما يزالون لا يشعرون بالثقة تجاه حكومة بغداد.

هذه الروابط هي التي سيكون من الأصعب إعادة بنائها، وسيقطع الشعب العراقي طريقاً طويلاً قبل أن يصبح قادراً على الصفح. من جانبه، يتوجب على بقية العالم تقديم المساعدة: فقد كان الغزو الأجنبي أول ما حطم العراق، قبل أن تتدفق إلى البلاد أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب الذين دعموا صفوف “داعش”.

هذا ويظل العراق محظوظاً بتوفره على موارد طبيعية مهمة، لكن ركائز المجتمع العراقي التي يجب إعادة بنائها لا تقف عند ضخ النفط. إن مليارات الدولارات ما هي إلا البداية؛ فالعمل الحقيقي الذي ينتظر العراق لا يُقاس بالمال وحده.

AFP PHOTO / DAVID FURST

MENAFN29082021006092013261ID1102700248


Legal Disclaimer:
MENAFN provides the information “as is” without warranty of any kind. We do not accept any responsibility or liability for the accuracy, content, images, videos, licenses, completeness, legality, or reliability of the information contained in this article. If you have any complaints or copyright issues related to this article, kindly contact the provider above.