Sunday, 17 October 2021 07:03 GMT

سياسة إعادة البناء المملة لبايدن تُشغله عن الحلفاء العرب | سنديكيشن بيورو


(MENAFN- Syndication Bureau) AFP photo

تُعتبر محاولة تنبؤ وتخمين مسار الإدارة الأمريكية الجديدة بمثابة نشاط للتسلية لمراقبي الشرق الأوسط، وهو الشغل الشاغل للقادة في عواصم تلك البلدان، فمن يختار الرئيس الأمريكي أن يتصل به أو يلتقي به أولاً يُمكن أن يكشف عن نواياه خلال السنوات الأربع القادمة.

وفي أحياناً أخرى، تكشف قائمة الشخصيات التي يتم التواصل معها عبر الهاتف عن ملامح السياسة الخارجية المستقبلية. فقد كانت المكالمة الأولى التي أجراها دونالد ترامب مع أحد الزعماء في منطقة الشرق الأوسط هي مع العاهل السعودي الملك سلمان، وكان الاثنان على علاقة وثيقة خلال السنوات الأربع التي تلت. ولكن في أوقات أخرى، لا يحمل الأمر أي دلالة أو معنى، فقد اتصل باراك أوباما بالرئيس المصري آنذاك حسني مبارك في أول يوم له في منصبه، وبعد مضي عامين، وأثناء اندلاع الاحتجاجات في القاهرة، دعا باراك أوباما الرئيس المصري إلى التنحي عن السلطة.

وعليه، تابعت العواصم العربية مرور ستة أشهر على إدارة بايدن الجديدة من دون عقد لقاء واحد مباشر مع أي زعيم من زعماء المنطقة. ولكن في الأسبوعين الماضيين تغير كل ذلك، حيث استقبل جو بايدن أولاً العاهل الأردني الملك عبد الله في البيت الأبيض، وتلا ذلك استقبال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

وتلك الخيارات والمواضيع التي تم مناقشتها، أماطت اللثام عن الكثير، ولكن لم تبعث الراحة في نفوس البعض، حيث يشير بايدن إلى أنه غير مهتم بحل مشاكل الشرق الأوسط الشائكة، وبدلاً من ذلك، ينصبُ تركيزه على العمل السياسي الممل والمثير للضجر من خلال ضمان إنجاز عملية التلقيح وإعادة بناء البنية التحتية المادية والبشرية لأمريكا، وهذا التصميم والإصرار على “إعادة البناء المملة” لا يترك له سوى القليل من الوقت للحلفاء العرب في الخارج.

إن اختيار الملك عبد الله والكاظمي يكشف الكثير عن سياسة بايدن، فكلاهما حليفان ضعيفان للولايات المتحدة، ويتعرضان لضربات من قوى خارجية، وكلاهما كان يبحث عن دعم قوي من بايدن وكلاهما أصيب بخيبة أمل.

فقد وجد الملك عبدالله نفسه على الهامش أثناء إدارة ترامب مع أنه الوصي على الأماكن المقدسة في القدس، وكان تركيز ترامب على إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ومن خلال عقد اجتماع معه أولاَ، يشير بايدن إلى نيته العودة إلى الوضع المعهود والمعروف والمستقر ولو أن ذلك الوضع غير مرض لكثير من الأطراف.

أما وضع الكاظمي فهو أكثر خطورة، فعلى بعد أسابيع من الانتخابات، يعجز رئيس الوزراء العراقي عن كبح جماح الميليشيات المدعومة من إيران، كما إنه لا يستطيع حتى الموافقة علنًا على الضربات الجوية الأمريكية لها.

وبالنسبة لكليهما، لم يقدم بايدن الكثير، حيث قال للملك عبد الله “أنت تعيش في منطقة صعبة”، ورفض تأييد الكاظمي، قائلاً إنه “يتطلع” لرؤية الانتخابات في أكتوبر. وتلك العبارات مملة بصورة مقصودة، ومصممة لإظهار اللامبالاة.

ويذكرنا ذلك بلقائه في يونيو مع الرئيس الأفغاني عندما قال بايدن، على خلفية التحذيرات من سيطرة طالبان على السلطة ” أنه سيتعين على الأفغان تقرير مستقبلهم بأنفسهم”.

وهذا اعتراف من طرف بايدن بأن نقاط الضعف في الأردن أو العراق، أو الأسباب التي أدت إلى خروج الحرب الأفغانية عن السيطرة، لا تقتصر على عام واحد أو إدارة أمريكية واحدة، ولكنها نتيجة لاتجاهات سياسية طويلة المدى، وتتردد الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع تلك الاتجاهات أو ربما تعجزها عن التعامل معها.

ولكن يعد ذلك انعكاس لوجهة نظر أوباما القائلة بأن العلاقات الخارجية المتشابكة لا تؤتي بالنفع، بل تُشتت الانتباه، ويمكن تجنبها من خلال متابعة أجندة داخلية. وقد تجنب بايدن بشكل مقصود القضية الإسرائيلية الفلسطينية، حتى انفجرت حرب غزة، ولم يقل حتى الآن أي شيء عن الهجوم المميت على ناقلة النفط الإسرائيلية قبالة سواحل عمان، والتي تشير أصابع الاتهام فيه إلى ضلوع إيران.

وقد أشار أكثر من معلق أمريكي إلى فترة الأشهر القليلة الأولى لبايدن في منصبه على أنها إعادة البناء المملة، ويعد ذلك تلاعب بالشعار السابق “إعادة البناء بشكل أفضل” وأيضاً سمعة بايدن المتدنية.

لكن إعادة البناء المملة تستغرق وقتًا زمنياَ طويلاً، ونظراً للتعقيدات الصعبة في مجلسي النواب والشيوخ، فإن تلك السياسة تحتاج الكثير من التركيز والتفرغ. ويحاول بايدن المضي قدمًا بالعمل على خطة بنية تحتية واسعة النطاق. والعلاقات والتشابكات الخارجية مكلفة، ليس فقط على الصعيد المالي، بل فيما يخص الاهتمام السياسي تحديداً. والرئيس الجديد مصمم على تجنب كل ذلك. حتى عندما أصدر أوامره بشن غارات جوية على الميليشيات في العراق في يونيو الماضي، فلم يكن هناك خطاب مدوٍ أمام الكاميرات، بل تُرك الأمر للمكتب الإعلامي للبنتاغون لإصدار بيان يؤكد فيه شن تلك الضربات.

ويحاول بايدن إسدال الستار على سنوات الحرب ضد الإرهاب من دون إحداث ضجيج إعلامي. فقد قام بالانسحاب من أفغانستان وسينهي المهام القتالية في العراق، وكان هذا هو الإعلان الرئيسي حول لقائه مع الكاظمي، بالرغم من عدم وجود مؤتمر صحفي في حديقة الورود للإعلان عن ذلك، فضلاً عن عدم وجود لافتة تشير إلى أن “المهمة أنجزت”.

وفي نفس اليوم الذي وصل فيه الملك عبد الله إلى واشنطن، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لأول مرة أن معتقلًا من خليج غوانتانامو قد نُقل إلى موطنه، مما يشير إلى أن المنشأة المثيرة للجدل قد تُغلق أبوابها أخيرًا. وهذه هي العبقرية الخافتة التي تتمتع بها رئاسة بايدن، حيث يتملص بهدوء عن الحروب التي شنها أسلافه، بينما يخطط لإنفاق مبالغ ضخمة لإعادة البناء في الداخل.

وربما استغرق إيصال رسالة بايدن إلى الشرق الأوسط فترة ستة أشهر، لكنها كانت قاسية بشكل واضح، خاصة للحلفاء التقليديين مثل الأردن الذين كان يأمل في المزيد من المشاركة والانخراط الأمريكي وليس العكس. ونص الرسالة هو كالتالي: قد تدعمك أمريكا لمواجهة تحدياتك في الشرق الأوسط، لكن لن تكون في مقدمة الصفوف، تلك الأيام ولت بلا رجعة.

يعمل فيصل اليافعي حاليًا على تأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق دائم الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وعمل لمنافذ إخبارية مثل ذاقارديان و البي بي سي، كما نشر تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.

MENAFN29082021006092013261ID1102698165


Legal Disclaimer:
MENAFN provides the information “as is” without warranty of any kind. We do not accept any responsibility or liability for the accuracy, content, images, videos, licenses, completeness, legality, or reliability of the information contained in this article. If you have any complaints or copyright issues related to this article, kindly contact the provider above.