en
Tuesday, 21 November 2017 10:46 GMT

  الأكثر تداولاً   

img

الأردن- من الدوار الثالث إلى الزعتري: العمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني

(MENAFN - Alghad Newspaper) د. ذوقان عبيدات

(1) حقائق
ليس من شك في أن العمل التطوعي اختراع إنساني وأخلاقي راقٍ. ولا جدال في فوائده النفسية والاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية.
فمن الناحية النفسية يوفر العمل التطوعي في حده الأدنى الرضا وإثبات الذات، وقد يقود الى التسلط والغرور. ومن الناحية الأخلاقية، يوفر في حده الأدنى الدعم وبذل الجهد غير المأجور، وقد يقود الى فساد مالي احيانا.
ومن الناحية الاجتماعية يوفر في حده الأدنى التضامن والشراكة وقد يقود الى "الكولسة" والإقصاء والتهميش. ومن الناحية الاقتصادية، يقود في حده الأدنى الى خفض كلفة تنفيذ أي مشروع، وفي حده الأعلى الى تبديد اموال في مشروعات شكلية.
وبين العمل التطوعي، ومؤسسات المجتمع المدني علائق وتفاعلات؛ فالمؤسسات المدنية ليست كلها تطوعية، وقد توظف متطوعين لخدمة أغراضها وبذلك تنهار أسس أخلاقية عديدة في كليهما: مؤسسات مستغلة واشخاص مستغَلون، وما اقسى ان يشعر متطوع ما بأن مستغلاً ما وظف جهده وعمله لغايات غير ما قصد! هذا هو المخفي الواضح، أما المخفي المستتر فسيكون تالياً.
(2) بين المخفي الواضح والمخفي المستتر
يقال دائماً: إذا بليتم فأخفوا أو استتروا! وقد يكون هذا المبدأ واضحاً في مجال العمل التطوعي أو مؤسسات مجتمع غير تطوعية!
ولذلك سيكون هذا الجزء - ولا ابرئ نفسي - فقد كنت أول من أسس فرعاً لجمعية تنظيم وحماية الاسرة الأردنية سنة 1971، حيث اكتشفت أصول "اللعب" وبعثت بعد ثلاثة شهور برقية الى المرحوم علي خريس وزير "الشؤون الاجتماعية" الاسبق قلت فيها: "معالي الوزير! تستطيع أن تجد في مديرية شؤون اربد وفي اتحاد الجمعيات الخيرية في إربد: كل شيء ما عدا الخير! استدعاني فوراً وفاجأني بأن ملفاً ضخماً عني قد وصله، تهم: حزبية، مخدرات، سوء أخلاقي، تجسس.. الخ".
وكان الوزير ذكياً، قدم لي سيجارة! فقلت له "شكراً عمري ما دخنت!"، فقال "عجباً، تهمتك مخدرات!!" وبذلك كشف اللعبة، ودعم جهودي، وصحح مؤسساته بشكل جذري! وفي ما شهدته وخبرته في العمل التطوعي، امراض عديدة وتجليات خطيرة، أعرضها فيما يأتي:
(3) نظام موازٍ لنظام الدولة وربما مربك لها
تخلق مؤسسات المجتمع المدني نظاماً موازياً لأنظمة الدولة ومؤسساتها، فهناك من يقدم رعاية صحية، توفر الدولة اكثر منها، أو من يدعم أسرة فقيرة تتلقى دعماً مالياً كافياً من الدولة، أو من يقيم برنامجاً تدريبياً لعشرة اشخاص موازياً لبرامج تدريبية بالآلاف تقدمها الدولة!
طبعاً لا يعني ذلك التوقف وانتظار خيرات الدولة! ولكن ما معنى أن تكرر جهداً دون تنسيق وتربك من خلاله جهوداً اكثر تنظيماً!
إن استعلائية هذه المؤسسات وانتهازية بعضها تجعلها تتعالى عن التنسيق. المطلوب: تكامل الجهود لا تكرارها. فإذا فتحت الدولة طريقاً فإن العمل التطوعي يقيم رصيفاً له أو يحميه من استغلال جائر وهكذا...
واذا قدمت الدولة عوناً، فإن العمل التطوعي سيساعدها في توزيع العون وتقديمه الى مستحقيه، اما أن تتنافس مؤسسات في تكرار عمل مؤسسات، فهذا ليس الجهد المطلوب!
(4) بين التنمية الحقيقيةوالتنمية الشكلية
غالباً ما تتخذ مؤسسات المجتمع المدني اهدافاً سهلة لها انعكاس اعلامي كبير، مثل: يوم طبي، معرض انتاج ريفي، ندوة، سباق شبه رياضي، تدريب.. الخ، وباستثناءات قليلة مثل مركز السرطان أو مركز ابداع الكرك فإن معظم ما نشاهده هو انشطة شكلية تهدف الى إحداث عرض اكثر من المساهمة الجدية.
يمكن القول ان هذه المؤسسات تركز على الاداء لا الإنجاز وتهتم بما قامت به دون ما نتج عن هذا الفعل!
ولو سألنا أي مؤسسة عن خططها وعن علاقتها بخطط اخرى فهل نجد جواباً؟ المفروض أن ترتبط أي مؤسسة بخطط تنموية. وأن تحدد لها دوراً في هذه الخطط، وأن تصمم برامجها ومشروعاتها بما يضمن إسهامها في تحقيق اهداف تنموية، وإلا كان عملنا شكلياً أو استعراضياً أو معيقاً.
(5) الكلفة والناتج
حين تخطط مؤسسة ما مشروعاً، وتطلقه في اجتماع فنادق خمس نجوم، وتقدم غداءً فاخراً لعدد من الشخصيات، فإنها تكون قد صرفت من خمسة الى عشرة آلاف دينار ابتداءً! فما العائد من هذا الاجتماع؟ وكم مؤسسة تابعت هؤلاء المدعوين وزودتهم أو أشركتهم في تنفيذ هذه البرامج او تقويمها؟
في تزييف العملة يفترض أن يكون العائد اكثر من الإنفاق، فلو انفق مزيف عشرين ديناراً لتزييف عشرة دنانير، فما العائد أو الجدوى؟ وحين ينفق مبلغ على معرض أو نشاط إعلامي عن مشروع، ماذا يتوقع المنفقون من عائد؟ طبعاً لا نتحدث عن عائد مالي ولكن عن عائد مادي ملموس مثل نشر فكرة، حفز على مبدأ، دعم لفئة تضامن مع، رفض لـ... الخ.
مرة أخرى، الأداء ليس مهماً حتى لو كان راقياً، فلا أجمل من جلسة انيقة في فندق! المهم ما ينتج عنها من إنجاز، فماذا نحن فاعلون؟
(6) رشاوى وجوائز
كي تجذب الجمهور، لا بد لك من تقديم الحوافز. وهذه المؤسسات تفهم نظريات الحوافز والدوافع، فتقدم ما يشبه الرشاوى للمتعاملين معها. والا ما معنى أن تدرب شباباً وتأخذهم الى البحر الميت حيث النجوم الخمس المتلألئة؟ وما معنى أن تدرب شباباً وتدفع لهم مقابل حضورهم ومشاركتهم؟ وماذا تعني اقامة ثلاثين شاباً خمسة أيام في الفندق وعلى حساب المؤسسة؟ وماذا تعني أن تدفع اجوراً عالية لأشباه مدربين؟
إذا حسبنا كلفة الشخص 100 دينار فإن كلفة البرنامج 100* 5* 30 = 15000 دينار بأسعار تشجيعية غير كلفة المدربين والطاقم الإداري المرافق وكبار الزوار الذين يحضرون حفل الافتتاح وحفل الختام.
اذا كان الهدف تشجيع السياحة.. فقد تحقق تماماً!!.
(7) التمييز بين متلقي الخدمة
لكلٍ أغراضه! فالمؤسسة المجتمعية الوطنية لها اغراضها. وممولو هذه المؤسسة لهم أغراضهم. فإذا تعارضت الأغراض فإن الوطني يتكيف مع الممول الأجنبي. فإذا كان الممول الاجنبي، مثلاً، مهتماً بالشباب السوري، فإن المؤسسة الوطنية لا تستطيع إدماج شاب عراقي أو أردني في هذا البرنامج، واذا كان الدعم لأسرة اردنية، لا تستطيع المؤسسة الوطنية أن تدعم أسرة سورية.
فالأولويات من الداعمين محددة مسبقاً، ولا تستطيع مؤسسة وطنية أن تضع اولويات مخالفة حتى لو كانت ضرورية. إن المشكلة هنا، ليست في متلقي الخدمة، فالسوريون أكثر حاجة بشكل عام. لكن المشكلة في القيم والمسؤولية.
فقيم محاربة الفقر ليست محصورة بهوية. وقيم تمكين المرأة أكثر من اهتمام بامرأة سورية أو أردنية. وقيم عدم التمييز ليس لها قيمة. وقيم الكرامة الانسانية منهكة. فهل يجوز أن نقدم خدماتنا منتهكين القيم التي نسعى لها؟ اذن نقدم خدماتنا منتهكين قيمة عدم التمييز!!
(8) ومزالق أخرى
تحدثنا عن الفعل والسلوك في الصفحات السابقة، ولم نتحدث عن قيم نزرعها! فالمجتمعات المدنية في معظمها مليئة بالمظهرية والشكلية والانتهازية وأشياء غيرها. فالمظهرية أن تستعرض دون مضمون. والشكلية أن تظهر في بيئة فوق بيئة من تخدم. والانتهازية أن تتسلل من العمل التطوعي الى العمل الحكومي أو شبهه وتصير غنياً أو نائباً أو مديراً.
وعلى أي حال، هذه مواصفات رابحة!

MENAFN1011201700720000ID1096069672


الأردن- من الدوار الثالث إلى الزعتري: العمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني